ثروات أثرياء كاليفورنيا تواجه أقوى اختبار منذ سنوات مع اقتراب القرار النهائي بشأن ضريبة المليارديرات. ومع إمكانية هجرة عدد من المليارديرات كما حدث في الماضي، فإن هذه الضريبة قد تعيد رسم خريطة الثروات والاستثمارات في الولاية بشكل غير مسبوق.

أثار مقترح فرض ضريبة استثنائية لمرة واحدة بنسبة 5% على ثروات المليارديرات في ولاية كاليفورنيا موجة غضب عارمة في أوساط أغنى أثرياء الولاية الذهبية ، الذين يرون في الخطوة تهديدًا مباشرًا لثرواتهم المتراكمة، ومقدمة لتحول أوسع في السياسة الضريبية يستهدف كبار أصحاب رؤوس الأموال.

ويقف خلف هذا المقترح تحالف تقوده نقابة خدمات الموظفين الدولية عمال الرعاية الصحية في الغرب (Service Employees International Union United Healthcare Workers West)، التي طرحت المبادرة لأول مرة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، غير أن طريقها لا يزال طويلًا؛ إذ يتعين على منظميها جمع 875 ألف توقيع صحيح من الناخبين بحلول يونيو/ حزيران كشرط أساسي لطرحها أصلًا على بطاقة الاقتراع في انتخابات العام المقبل.

وحتى إذا نجحت المبادرة في تجاوز هذا الاختبار الإجرائي الأول، فإن المعركة الحقيقية ستبدأ لاحقًا، وسط توقعات بمواجهة سلسلة من الطعون القانونية، فضلًا عن صراع سياسي محتدم داخل صناديق الاقتراع، في ولاية تُعد موطنًا لأكبر تجمع للمليارديرات في الولايات المتحدة، وأكثرها حساسية تجاه أي مساس بثرواتهم.

إنذارات من القمة: كبار الأثرياء يدقّون ناقوس الخطر لم يمنع الغموض الذي لا يزال يحيط بالمقترح الضريبي، ولا العقبات الإجرائية والقانونية التي تعترض طريقه، أغنى أثرياء كاليفورنيا من رفع مستوى التحذير مبكرًا، والتعامل مع المبادرة باعتبارها تهديدًا وشيكًا لا يحتمل الانتظار. ففي مطلع الأسبوع، كتب الملياردير والرئيس التنفيذي لشركة ريبيلينغ (Rippling)، باركر كونراد، منشورًا مقتضبًا لكنه لافت قال فيه: "غادروا كاليفورنيا قبل جولة التمويل الثانية"، في إشارة مباشرة إلى مخاوف المستثمرين ورواد الأعمال من تداعيات الضريبة على بيئة الشركات الناشئة.

التحذيرات لم تقتصر على جيل المؤسسين الجدد. إذ أعاد مؤسس أوبر، ترافيس كالانيك، نشر تدوينة كتبها عام 2009 ينتقد فيها الضرائب المرتفعة في كاليفورنيا، مضيفًا تعليقًا أكثر حدّة قال فيه إن الولاية كانت "الأكثر إسرافًا والأكثر فسادًا بين الولايات الخمسين منذ وقت طويل". أما المستثمر البارز تشاماث باليهابيتيا، فقد جعل من منصة إكس (X) منبرًا يوميًا لمهاجمة المقترح، واصفًا إياه بأنه مصادرة للأصول، ومستشهدًا ببيانات اقتصادية تُظهر تصاعد الإنفاق العام. وكتب في تغريدة تحذيرية: "لا تقولوا إننا لم نحذركم"، معتبرًا الضريبة "فكرة كارثية بالكامل" من شأنها تقويض اقتصاد التكنولوجيا في الولاية.

وبينما يكتفي البعض بإطلاق التحذيرات، بدأ آخرون ترجمة مخاوفهم إلى قرارات عملية. فقد باع مؤسس أوراكل (Oracle)، لاري إليسون، منزله الفاخر في حي باسيفيك هايتس في سان فرانسيسكو مقابل 45 مليون دولار في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بعد أن كان قد غيّر تسجيله الانتخابي إلى ولاية فلوريدا عام 2023. ويملك إليسون أصولًا عقارية شخصية تتجاوز مليار دولار، تشمل جزيرة كاملة في هاواي ومجمعًا ساحليًا في مانالابان بولاية فلوريدا، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تكون مرتبطة بموعد 1 يناير/ كانون الثاني 2026، وهو التاريخ المرجعي لتحديد الإقامة الضريبية في حال إقرار ضريبة المليارديرات.

التحركات لم تتوقف عند إليسون. فقد أنفق الشريك المؤسس لشركة غوغل، لاري بيج، نحو 173.5 مليون دولار لشراء عقارين في ميامي خلال ديسمبر/ كانون الأول، في توقيت اعتبره البعض محاولة للحاق بمهلة الانتقال قبل تشديد المعايير الضريبية. وبحسب تحليل لصحيفة نيويورك تايمز، تقدمت أكثر من 45 شركة مرتبطة ببيج خلال الأسابيع الأخيرة بطلبات لإنهاء وجودها القانوني في كاليفورنيا أو نقل عملياتها إلى خارج الولاية.

وفي السياق ذاته، أعلنت شركة الاستثمار ثيل كابيتال (Thiel Capital)، التابعة للملياردير بيتر ثيل (Peter Thiel)، ليلة رأس السنة عن افتتاح مكتب جديد لها في ميامي، رغم أن ثيل عاش في كاليفورنيا لما يقرب من خمسين عامًا. وفي مفارقة لافتة، قدّم ثيل في ديسمبر/ كانون الأول تبرعًا بقيمة 3 ملايين دولار لمنظمة (California Business Roundtable)، وهي جماعة ضغط اقتصادية تستعد لقيادة حملة معارضة قوية ضد الضريبة المقترحة.

وما يزيد من حساسية المشهد أن الانتقادات لم تقتصر على المعسكر الجمهوري أو رجال الأعمال المحافظين؛ إذ عبّر حتى بعض الديمقراطيين عن رفضهم للمبادرة. فقد وصف مؤسس لينكدإن، ريد هوفمان، الضريبة المقترحة بأنها "سيئة التصميم إلى حد أن منشورًا واحدًا على وسائل التواصل الاجتماعي لا يكفي لسرد جميع عيوبها الجسيمة"، في إشارة إلى اتساع دائرة الاعتراض على واحدة من أكثر المبادرات الضريبية إثارة للجدل في تاريخ الولاية.

بين المواجهة السياسية والاستثناء النادر في خضم هذا التصعيد المتزايد، أعلن حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي، غافين نيوسوم، في تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز، أنه سيقف في وجه المقترح و"سيقاتل ضده دفاعًا عن الولاية"، في إشارة إلى مخاوف رسمية من أن تؤدي الضريبة إلى الإضرار بجاذبية كاليفورنيا الاقتصادية وقدرتها على الاحتفاظ برأس المال والمواهب.

ورغم الإجماع شبه الكامل في أوساط كبار الأثرياء على رفض المبادرة، برز استثناء وحيد اختار التعامل مع المقترح بهدوء لافت. فقد قال الرئيس التنفيذي والمؤسس الشريك لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، في مقابلة مع بلومبيرغ تي في (Bloomberg TV): "اخترنا أن نعيش في سيليكون فالي، وأي ضرائب يرغبون في فرضها فليكن. أنا لا أمانع ذلك على الإطلاق"، في موقف نادر يخرج عن الخط العام لمجتمع المليارديرات في الولاية.

لكن هذا السجال الحاد حول الضرائب ليس وليد اللحظة. فكلفة العيش والعمل في كاليفورنيا كانت، تاريخيًا، أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بين صناع القرار وأصحاب الثروات. إذ تفرض الولاية بالفعل أعلى معدل لضريبة الدخل على مستوى الولايات المتحدة، بنسبة 13.3%، وهو معدل يشمل رسومًا إضافية بنسبة 1% على الدخل الذي يتجاوز مليون دولار سنويًا، أُقرت عبر استفتاء شعبي عام 2004.

وبالنسبة لبعض المليارديرات، لم يكن انتظار جولة جديدة من الزيادات الضريبية خيارًا مطروحًا أصلًا؛ إذ غادر عدد منهم الولاية منذ سنوات، مفضلين ولايات أقل عبئًا ضريبيًا، في اتجاه يُعاد اليوم تسليط الضوء عليه مع عودة الجدل حول ما إذا كانت كاليفورنيا تخاطر بخسارة أثمن ما تملك: رأس المال البشري والمالي في آنٍ واحد.

هجرة الأثرياء: الأرقام تتحدث بصوت أعلى يختصر مؤسس مشروب الطاقة الشهير روكستار (Rockstar)، راسل سافاج، المخاوف المتصاعدة في جملة مباشرة لا تحتمل التأويل: "الجميع سيتجه إلى الولايات المعفاة من الضرائب. لماذا قد يفكر أي شخص في تأسيس شركة داخل ولاية مثل كاليفورنيا؟". سافاج، الذي أطلق شركته عام 2001 بعد أن موّل بدايتها برهن عقاري قيمته 50 ألف دولار على شقته في سوساليتو بكاليفورنيا، يعرف هذا المسار عن قرب.

سافاج، المعروف سابقًا باسم راس واينر (Russ Weiner)، غادر كاليفورنيا إلى فلوريدا قبل ما يقرب من عقدين، ويعتبر أن ما يحدث اليوم ليس سوى امتداد لمسار طويل من النزوح. ويضيف بنبرة حاسمة: "لاري إليسون غادر. أنا غادرت. إيلون ماسك غادر. يمكنك أن تعدّ الأسماء واحدًا تلو الآخر الدليل واضح ولا يحتاج إلى تفسير".

ولا تبدو هذه الشهادة مجرد رأي فردي؛ إذ تدعمها الأرقام. فمنذ عام 2010، انتقل أكثر من 30 مليارديرًا خارج كاليفورنيا، لأسباب تتراوح بين الضرائب المرتفعة وتكاليف المعيشة والتنظيم الصارم للأعمال. ومن بين الأسماء البارزة التي اختارت الرحيل: المستثمر المغامر جيم براير (Jim Breyer)، الشريك المؤسس لشركة بالانتير (Palantir) جو لونسديل، ووريثة سلسلة مطاعم إن-آند-أوت (In-N-Out)، لينسي سنايدر، في مؤشر متزايد على أن الجدل الدائر اليوم يعكس اتجاهًا أعمق من مجرد مقترح ضريبي واحد.

مفارقة كاليفورنيا: هجرة مستمرة وثروة تتضخم ورغم موجة التذمر والرحيل التي تتصدر العناوين، لا تزال كاليفورنيا تحتفظ بجاذبية يصعب تجاهلها، بل يمكن القول إنها ما زالت البيئة الأخصب لصناعة الثروات التكنولوجية في الولايات المتحدة، وربما في العالم. فبفضل ما يُعرف بـحمّى الذهب الجديدة للذكاء الاصطناعي، ارتفع عدد المليارديرات المقيمين في الولاية الذهبية إلى 246 مليارديرًا، وهو رقم قياسي غير مسبوق.

ويمثل هذا العدد قفزة واضحة مقارنة بـ219 مليارديرًا في مارس/ آذار الماضي، وهو التوقيت الذي أصدرت فيه فوربس قائمتها لمليارديرات العالم لعام 2025، ما يجعل كاليفورنيا الولاية التي تضم أكبر تجمع للمليارديرات على مستوى البلاد، متقدمة بفارق مريح على أقرب منافسيها.

وتأتي نيويورك في المرتبة الثانية، وهي بدورها ولاية مرتفعة الضرائب، وتضم 157 مليارديرًا، بينما تحتضن فلوريدا نحو 130 مليارديرًا، وتأتي تكساس خلفها بفارق كبير مع 85 مليارديرًا فقط.

ولا يقتصر التفوق الكاليفورني على عدد الأثرياء فحسب، بل يمتد إلى حجم الثروة نفسها. إذ تُقدّر القيمة الإجمالية لثروات مليارديرات الولاية بنحو 2.1 تريليون دولار، وهو رقم قياسي آخر، يعكس نموًا بنسبة 19% منذ مارس/ آذار وهي زيادة تفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف نسبة الضريبة البالغة 5% التي يجري الجدل حولها حاليًا.

ومع ذلك، يبقى هذا التوازن هشًا. فلو قرر الشريكان المؤسسان لشركة غوغل، لاري بيج وسيرغي برين، واللذان تتجاوز ثروتهما المجمعة 500 مليار دولار، نقل إقامتهما خارج الولاية، فإن هذا الرقم القياسي قد يتراجع بسرعة، في تذكير واضح بمدى اعتماد كاليفورنيا على نخبة محدودة من صانعي الثروة.

حسابات ضخمة: كم سيدفع أثرياء كاليفورنيا؟ في المقابل، يبدو أن الخبراء الأكاديميون الذين صاغوا المقترح لا يشاركون المخاوف بشأن رحيل المليارديرات. يقول أحد مؤلفي المبادرة وأستاذ القانون في جامعة ميزوري، ديفيد جاميج: "عندما تهدأ الأمور، تظهر الدراسات الأكاديمية بشكل متكرر وقوي أن قلة قليلة، إن وُجدت، تنتقل فعليًا".

ويقدّر جاميج وزملاؤه، استنادًا إلى تقييمات فوربس لمليارديرات كاليفورنيا، أن الضريبة المقترحة يمكن أن تجمع نحو 100 مليار.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من فوربس الشرق الأوسط

منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 13 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات