منذ اللحظة الأولى التي طُرح فيها مشروع سد النهضة، تعاملت مؤسسات الدولة المصرية الوطنية مع القضية باعتبارها اختباراً صعباً لمعنى الدولة وحدود الصبر وقيمة الشرعية، لا مجرد خلاف فني حول منشأة مائية في دولة من دول حوض النيل. ورغم ضبابية القرار إزاء حكم جماعة الإخوان المسلمين وعدم قدرتهم على استيعاب مفهوم الأمن القومي المصري ومحدداته والعمل لصالحه؛ ضَعُف الموقف المصري وتراجع.. ولكن مع تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي المسئولية، انتقل الملف من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الإدارة الواعية طويلة النفس، حيث لم يكن الهدف كسب جولة تفاوضية عابرة، بل حماية حق وجودي لشعب كامل دون الانزلاق إلى فوضى أو مغامرة غير محسوبة.
نهر النيل، في الرؤية المصرية، ليس مورداً قابلاً للمساومة أو إعادة التوزيع السياسي، بل شريان حياة تشكلت حوله الدولة منذ آلاف السنين، وأي اختلال في تدفقه أو التحكم فيه خارج إطار ملزم هو تهديد مباشر للأمن القومي لا يقبل التأجيل أو التجزئة أو استخدام لغة الخطابات الحنجورية للتعامل مع الأزمة!
الموقف المصري منذ البداية لم يكن عدائياً، ولم يكن رافضاً للتنمية في إثيوبيا، بل كان واضحاً في جوهره ومضمونه: نعم للتنمية، ولكن لا للضرر. مصر لم تعترض يوماً على حق أي دولة في استغلال مواردها لتحقيق النمو، لكنها رفضت ولا تزال ترفض أن يتم ذلك عبر قرارات أحادية الاتجاه، أو عبر فرض أمر واقع، أو عبر تجاهل القواعد المستقرة في القانون الدولي التي تنص بوضوح على عدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب، وعلى ضرورة التعاون والاتفاق المسبق في الأنهار الدولية المشتركة.
هذا الموقف لم يتغير، ولم يخضع لمزايدات داخلية أو ضغوط خارجية، لأن الدولة المصرية قررت منذ البداية أن تكون قوة موقف لا ضجيج خطاب.
خلال سنوات طويلة من التفاوض، قبلت مصر بكل المسارات الممكنة، من التفاوض المباشر، إلى الوساطة الدولية، إلى رعاية الاتحاد الإفريقي، ثم تدويل القضية حين استُنفدت الأدوات الإقليمية. في كل هذه المراحل، كانت القاهرة حريصة على أن تحافظ على صورتها كدولة مسئولة، لا تهدد ولا تبتز ولا تلوّح بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لا تسقط حقوقها ولا تتنازل عن ثوابتها. هذا التوازن الصعب هو ما جعل الصبر المصري يساء فهمه أحياناً باعتباره تردداً، بينما كان في حقيقته موقفاً استراتيجياً مدروساً، يراكم الشرعية ويمنح القرار المصري مساحة حركة أوسع في اللحظة المناسبة.
في هذا السياق، تأتي رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي، ليس بوصفها حلاً للأزمة، ولكن باعتبارها اعترافاً سياسياً بأن الأزمة ما زالت قائمة، وأن فرض الأمر الواقع لم يمنح شرعية كاملة للطرف الآخر، وأن نهر النيل بالنسبة لمصر ليس ملفاً تفاوضياً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية
