من الموضوعات المهمة التي تناولها عدد من المختصين في الشؤون الدولية ما يتعلّق بمفهوم «ماركة الدولة» (Nation Branding). ويعرّف كيث دِيني (Keith Dinnie) ماركة الدولة بأنها:
«مزيج فريد ومتعدّد الأبعاد من العناصر التي تمنح الدولة تميّزاً ذا أساس ثقافي وقيمة ذات دلالة لدى جماهيرها المختلفة».
وبعبارة أخرى، يُقصد بماركة الدولة مجموعة السمات والصور الذهنية التي تشتهر بها الدولة أمام شعوب ودول العالم، بما يجعلها في موقع تنافسي متميّز مقارنة بغيرها من الدول. فعلى سبيل المثال، تُعرف سويسرا بحيادها السياسي، ومؤسساتها المصرفية، وجودة صناعاتها الدوائية والساعات الراقية، فضلاً عن طبيعتها الخلابة. وتُعرف فرنسا بعراقة تجربتها الديمقراطية، وإسهامها في الفلسفة القانونية، إضافة إلى صناعات السلع الكمالية الفاخرة. كما تُعرف المملكة العربية السعودية باحتضانها للحرمين الشريفين وأبعاد ذلك الثقافية والحضارية والدينية. وتسهم هذه السمعة المتراكمة في توليد احترام الشعوب والدول، وفي تمييز الدولة عن غيرها ضمن النظام الدولي.
قدّمت الولايات المتحدة نفسها بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بوصفها الدولة العظمى التي تصدّت للنازية والفاشية والبلشفية، التي قادتها نخب ديكتاتورية أشعلت الحروب وتسببت في مآسٍ عالمية واسعة. كما طرحت نفسها نموذجاً للدولة الديمقراطية ذات النظام الاقتصادي الليبرالي، الداعمة لحقوق الإنسان، والمساندة لحركات التحرر والاستقلال، فضلاً عن ريادتها في مجال التعليم العالي وجامعاته العريقة. وتجسّدت ماركة الولايات المتحدة في صورتها كقوة كبرى أسهمت في منع هيمنة أنظمة شمولية، وروّجت لقيم التعددية والتعايش السلمي، ودعمت قضايا حقوق الإنسان، إلى جانب إسهاماتها البارزة في الصناعات السينمائية والفنية. وبذلك مثّلت الولايات المتحدة لدى كثير من شعوب العالم أرض الفرص وتحقيق ما عُرف بـ«الحلم الأميركي»، فوفد إليها طلاب العلم، وهاجرت إليها العقول المبدعة وعرجت لها الكفاءات المتميزة من مختلف الأعراق والأديان.
غير أنّ سقوط الاتحاد السوفياتي، الذي كان يمثّل التحدي السياسي والعسكري والأيديولوجي الأبرز للولايات المتحدة، أفضى إلى انفراد واشنطن بمحاولة تأسيس نظام دولي أحادي القطبية تهيمن فيه على بنية النظام العالمي. ولم تعد الولايات المتحدة، في هذا السياق، بحاجة إلى حلفائها الأوروبيين كما كان عليه الحال سابقاً، فانفردت بالتدخل في شؤون الدول، وبالضغط الواسع على حيادية مسارات المنظمات الدولية. وتراجع وزن القانون الدولي في ممارساتها، بل بات يُنظر إليه أحياناً بوصفه عائقاً أمام تحقيق الهيمنة الكاملة، في نزعة أعادت إلى الأذهان نمط الإمبراطوريات التاريخية.
وقد شنّت الولايات المتحدة تدخلات عسكرية في عدد من الدول، من بينها أفغانستان والصومال والعراق، تحت مبررات ظلّت محل جدل واسع، وغالباً ما قُدّمت في إطار ما سُمّي بالتدخل الإنساني والأمني أو تحت مظلة الدبلوماسية الناعمة، بيد أنها فشلت في جميع تلك التدخلات العسكرية التي أورثت خراباً وفوضى وفراغاً سياسياً ولجت من خلاله الدول ذات المصالح المتضاربة والجماعات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الراي
