فرنسا تحاول وأميركا تقرّر.. من يملك مفتاح الحل في سوريا؟

تُنبئ التطوّرات الميدانية والسياسية في شمال شرق سوريا بأن مسار الحلّ بين السلطات السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" لا يزال يواجه تعقيدات كبيرة، على الرغم من المرسوم الذي أصدره الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والذي قال إنه يضمن حقوق الأكراد وخصوصياتهم ضمن إطار القانون.ودعا الشرع في المرسوم إلى عدم الانجرار وراء روايات الفتنة، مؤكدًا حرصه على وحدة سوريا وبناء دولة تقوم على الشراكة بين جميع مكوّناتها.

مرسوم حقوق الأكرادفي المقابل، اعتبرت "الإدارة الذاتية الكردية" أن المرسوم لا يشكّل ضمانة أكيدة للحقوق ما لم يكن جزءًا من دستور دائم وشامل، مشدّدة على أن الحقوق تُرسّخ عبر الدساتير لا المراسيم الموقّتة.وفي ظلّ هذا التباين في المواقف، تواصل باريس بالتنسيق مع شركائها، مساعيها لإعادة جمع "قسد" والسلطات السورية إلى طاولة المفاوضات، فهل لا تزال فرنسا قادرة على إنجاح هذه الوساطة، أم أن قدرتها على التأثير باتت محدودة في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة اللاعب الأبرز و"مفتاح الحلول" في هذا الملف؟الدّور الفرنسي في سورياللإضاءة على الموضوع، كان لمنصّة "المشهد" حديث مع الدكتور فارس الكياخي، وهو محلّل سياسي مختصّ بشؤون شمال شرق سوريا، ورئيس منظمة "وفاق" في أوروبا.ورأى الكياخي أن الحديث عن الدور الفرنسي في سوريا يفرض التمييز بين مرحلتين أساسيتين: الأولى تاريخية اتّسم فيها الحضور الفرنسي بفاعلية سياسية واضحة.الثانية راهنة أصبح فيها هذا الدور أكثر محدودية ومحكومًا بالجوانب الأمنية.وأشار إلى أن فرنسا أدت تاريخيًا دورًا مؤثرًا في الملف السوري، خصوصا خلال الأعوام التي سبقت التغيير السياسي الأخير، إذ اضطلعت برعاية مسارات حوارية عبر مؤسسات المجتمع المدني، خصوصًا الحوارات التي استضافتها باريس بين عامي 2017 و2019، بمشاركة مختلف مكوّنات شمال شرق سوريا. واعتبر أن باريس مارست في تلك المرحلة ضغوطًا سياسية باتجاه إدماج "قسد" ضمن المسارات التفاوضية، كما عارضت انسحاب القوات الأميركية من سوريا خلال الولاية الرئاسية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وساهمت في التأثير على هذا القرار، ما أدى إلى احتفاظ الولايات المتحدة بجزء من قواتها في المنطقة.تراجع دور باريسوفي المقابل، شدّد الكياخي على أن الدور الفرنسي في المرحلة الراهنة تراجع بشكل ملحوظ، ليصبح أكثر محدودية ويرتكز بشكل أساس على الجوانب الأمنية والعسكرية. وخلص إلى القول إن "علاقات فرنسا مع "قسد" غدت محصورة إلى حدّ كبير في إطار مكافحة الإرهاب، خصوصا ما يتصل بحماية سجن ومخيّم الهول الذي يضم عناصر تنظيم "داعش" وعائلاتهم، من دون أن ينعكس ذلك نفوذًا سياسيًا واسعًا أو دورًا قياديًا في رسم المسار السوري العام".ولفت إلى أن باريس، ورغم هذا التراجع النسبي، تسعى إلى إعادة تموضع سياسي، وهو ما عكسه استقبالها للرئيس السوري أحمد الشرع في زيارة رسمية لفرنسا في مايو 2025، في أول زيارة أوروبية له منذ تولّيه الرئاسة، ولقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، معتبرًا أن "هذه الزيارة حملت دلالات على رغبة فرنسية في فتح صفحة جديدة مع الحكومة السورية، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات تواصل قائمة مع قسد".دور أميركي يطغى على المشهدواعتبر الكياخي أن الدور الأميركي أصبح اليوم الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في الملف السوري، إذ تدير واشنطن هذا الملف عبر شخصيات ذات خلفيات اقتصادية واستثمارية، مثل توم باراك وجاريد كوشنر زوج ابنة الرئيس الأميركي وستيف ويتكوف، ما يعكس انتقال المقاربة الأميركية من السياسة التقليدية إلى مقاربة قائمة على الصفقات والمصالح الاقتصادية، وخصوصا في ظل تصاعد الحديث عن إعادة إعمار سوريا.

وشدّد على أن اقتصار الدور الفرنسي والدولي عمومًا على دعم "قسد"، مقابل تجاهل المكوّن القبلي الذي يشكّل الغالبية السكانية في شرق الفرات، شكّل أحد العوائق الرئيسة أمام انضمام منطقة الجزيرة إلى الدولة السورية الجديدة بقيادة الشرع.فرنسا شريك فعليّواعتبر أن "تبنّي باريس مقاربة أكثر واقعية، تنفتح على البنية العشائرية والاجتماعية للمنطقة، من شأنه أن يحوّل فرنسا إلى شريك فعلي للحكومة السورية في مساعي توحيد الجغرافيا السورية تحت قيادة دمشق، ويسهّل تنفيذ اتفاق العاشر من آذار".وختم بالقول إن هذه "المقاربة لا تعزّز الاستقرار السياسي فحسب، بل تفتح المجال أمام استعادة الدولة لمصادر ثروتها الوطنية من النفط والمحاصيل الاستراتيجية، كالقمح والقطن، باعتبار الجزيرة السورية الشريان الاقتصادي الحيوي للبلاد، بما قد يعيد لفرنسا دورًا مؤثرًا في رسم ملامح مستقبل سوريا الموحّدة".الموقف الكرديوفي سياق متّصل، قدّم عضو مكتب العلاقات الخارجية في المجلس الوطني الكردي في سوريا – ألمانياريزان شيخموس، قراءة معمّقة لمسار التفاوض بين السلطات السورية و"قسد"، وللتطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، فضلًا عن أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين.ويرى شيخموس في حديثه لمنصة "المشهد" أن ما يجري اليوم في سوريا يعكس عمق أزمة سياسية لم تُحلّ بعد، رغم كل الحديث عن مرحلة انتقالية. واعتبر أن المرسوم الصادر عن الشرع، والمتعلّق بحقوق الشعب الكردي، يشكّل خطوة إيجابية من حيث الشكل ويمكن البناء عليه سياسيًا، لكنه يبقى غير كافٍ ولا يرقى إلى مستوى الضمانة الحقيقية ما لم يكن جزءًا من مسار سياسي متكامل، يقوم على حوار وطني شامل وصياغة دستور دائم يعبّر عن إرادة جميع السوريين ومكوّناتهم.وأوضح شيخموس أن الحقوق لا تُصان بالمراسيم الموقتة، مهما بلغت أهميتها، بل عبر عقد اجتماعي جديد ودستور ديمقراطي لا مركزي، نابع من حوار وطني جاد تشارك فيه جميع القوى والمكوّنات من دون إقصاء، معتبرًا أن غياب هذا المسار هو أحد أبرز أسباب أزمة الثقة المتراكمة، وخصوصا لدى المكوّن الكردي.الحوار شرط النجاح

وشدّد شيخموس على أن أهمية المرسوم تكمن في كونه مدخلًا سياسيًا يمكن البناء عليه، غير أن نجاحه يبقى مرهونًا بإرادة سياسية حقيقية تُترجم عبر حوار متواصل وجدي بين السلطة السورية والتمثيل الكردي الحقيقي، وعلى رأسه الوفد الكردي المشترك المنبثق من مؤتمر 26 أبريل. ولفت إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول الفوقية أو الجزئية سرعان ما تفقد مضمونها، بينما تبقى الحلول المتوافق عليها وطنيًا وحدها القابلة للاستمرار.وفي ما يتعلّق بالتصعيد العسكري الأخير، خصوصا في الأحياء الكردية في حلب، حذّرشيخموسمن أن ما جرى يعكس استمرار تغليب المقاربة الأمنية والعسكرية على الحلول السياسية، رغم الحاجة الملحّة إلى تهدئة شاملة تفتح الباب أمام الحوار. وأكّد أن هذا النهج لا يخدم وحدة سوريا بل يوسّع الشرخ المجتمعي ويقوّض الثقة بين السوريين.وأضاف أن ما شهدته حلب لا يمكن فصله عن العمليات العسكرية في مناطق أخرى كالساحل والسويداء، معتبرًا أن محاولة فرض وقائع عسكرية لكسر "قسد" لا تخدم العملية السياسية، بل تعقّدها وتدفع نحو مزيد من الاستقطاب.لقاءات أربيل: فرصة سياسية

وتوقّف شيخموس عند اللقاءات الجارية في أربيل، والتي تجمع قيادات من "قسد" والمجلس الوطني الكردي مع مسؤولين عسكريين أميركيين، بمشاركة المبعوث الأميركي توم باراك، وبرعاية الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، معتبرًا أنها قد تشكّل مدخلًا جديًا لإعادة فتح مسار سياسي حقيقي، إذا ما تُوّجت بتفاهمات تضع حدًا للتصعيد وتعيد الاعتبار للحل السياسي.فرنسا وأميركا: أدوار متباينة

وحول الدور الدولي، رأى أن فرنسا لا تزال تمثّل عامل توازن مهم، نظرًا لتاريخها في دعم الحوارات الوطنية السورية وقدرتها على جمع الأطراف المتباعدة، معتبرًا أن استئناف المفاوضات على الأراضي الفرنسية قد يحمل رمزية وضمانات سياسية إضافية.

في المقابل، أشار إلى أن الولايات المتحدة باتت اللاعب الأكثر تأثيرًا في الملف السوري، في ظل امتلاكها أدوات سياسية واقتصادية أوسع، ما يجعلها الطرف الأبرز في توجيه مسارات الحل في المرحلة الراهنة.وخلص شيخموس إلى أن حل القضية الكردية، كما الأزمة السورية عمومًا، لا يمكن أن يتحقق بالمراسيم أو عبر التصعيد العسكري، بل من خلال حوار سياسي مستمر وصادق، يفضي إلى عقد اجتماعي جديد ودستور ديمقراطي يضمن حقوق جميع السوريين من دون استثناء، معتبرًا أن هذا المسار هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار والسلام.(المشهد)۔


هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من قناة المشهد

منذ 11 ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 7 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
قناة العربية منذ 9 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 9 ساعات
قناة العربية منذ 9 ساعات
اندبندنت عربية منذ 5 ساعات
قناة العربية منذ 5 ساعات