ملخص تتحول حملات الصلاة على النبي في مصر من ذكر ديني بسيط إلى موجات جماهيرية صاخبة، تتداخل فيها العاطفة الشعبية مع الإعلام والتكنولوجيا، وتثير جدلاً متجدداً حول حدود التدين، والفضاء العام، وتسييس المشاعر الدينية.
على مدار عقود موجة التدين السبعينياتي التي غزت مصر سياسياً واجتماعياً واقتصادياً تبزغ بين الحين والآخر موجة "صلاة على النبي"، أو هوجة "جمع مليون أو مليار أو تريليون صلاة على النبي"، أو فورة للدفاع عن منظومة "الصلاة على النبي" ضد هجمات خارجية ومؤامرات داخلية ومكائد صهيوليبرالية، أو مجرد حملة لدرء الفقر وعلاج المرض ومواجهة العدو والتثبيت على الصراط والنجاة من العذاب وانتصار الأمة واندثار الأخطار وغيرها من الوعود التي تتحوّل إلى ما يشبه "الغزوة"، فيها مقاتلون، ولها معارضون، وحولها منتقدون ومتعجبون وأيضاً متسائلون.
في كل مرة، تشغل "غزوة الصلاة على النبي" الملايين من المصريين، بين مصلّ على النبي من دون مراجعة للأسباب أو بحث في التوقيت، ومتعجب من أسباب الموجات والهوجات التي تسهم في جعل التفاصيل الصغيرة للمعتقد أداة لإصدار أحكام الإيمان وسلاحاً يناطحون به هواء أعداء الدين وكارهي المتدينين من المتسائلين عن أسباب تحويل الصلاة على النبي إلى فتح مبين، ومتابع للأحداث وكأنه يشاهد عملاً درامياً مكرراً، لكن بقليل من الإبداع وكثير من الرتوش.
هذه المرة، انطلقت الغزوة من أكثر من "خندق". الأول عبر صفحة على "فيسبوك" موجه إلى أبناء المحلة الكبرى (محافظة الغربية شمال مصر) تحوي أخبار الطقس وتراخيص التكاتك وحملات إزالة الإشغالات ومواعيد انقطاع التيار الكهربائي، وإعلانات لبيع الخضراوات المجهزة لربات البيوت، والترويج لمراكز الدروس الخصوصية (غير القانونية) والتسويق للدروس الخصوصية وجمع التبرعات لحالة إنسانية هنا أو هدف خيري هناك وكلها غير خاضعة لإشراف رسمي أو تدقيق حكومي، وإشهار عن افتتاح محل أسماك فيه جمبري الملوك وإعادة افتتاح مطعم السلطان بثوب جديد، وحسن خاتمة مؤذن المسجد بينما يصلي مع صورة لجثمانه، وهو مسجى على الأرض وغيرها.
تواترت تدوينات على الصفحة قبل أيام وبشكل منظم ومكثف عن "أعظم ترند حصل في تاريخ العالم"، وهو انتشار عبارة "صلي على النبي" وتمريرها على "فيسبوك" و"واتساب"، مذيلة بـ"ربنا يوسع رزقكم ويجبر خواطركم يا رب العالمين". وبحكم مقاييس التدين الفطري الشعبي، ومفاهيم الكثيرين في ما يتعلق بتعريف بماهية الدين، أخذت الآلاف على عاتقها مهمة إعادة مشاركة التدوينة، إضافة إلى الآلاف من التعليقات التي تثني على الحملة العظيمة التي من شأنها أن ترفع راية الإسلام وتعز المسلمين.
ميكروفونات وفلاشة الجنة ثم انطلقت شرارة أخرى تمثلت في "خبر" يحمل صورة رجل أربعيني مصحوب بتدوينة طويلة تبدأ بـ"عااااجل"، ثم "يحدث الآن من أفضل الأشياء التي حدثت في تاريخ المحلة، الرجل في الصورة اسمه الحاج فلان (ثم عنوانه)، صاحب فكرة جميلة وبسيطة، لكن أثرها كبير في القلوب، هو أول شخص قرر يعلق ميكرفونات في شوارع المدينة تصلي على النبي كل أربع دقائق، حتى تبقى الصلاة على النبي دائماً في آذان الناس وقلوبهم، وطريقهم إلى الجنة.
ليس هذا فقط، بل قرر الرجل التبرع بـ"فلاشة" لكل ميكرفون يجري شراؤه عليها عبارة الصلاة على النبي. ناس بسيطة تفكر بقلوبها. وجرى تذييل التدوينة التي أعادت الآلاف مشاركتها وحازت آلافاً أخرى من التعليقات الشاكرة المثنية المؤيدة للفكرة، بعبارة "نتمنى أن تنتشر الميكرفونات التي تصلي على النبي في كل شوارع المحلة، ومنها إلى كل شوارع مصر".
وتواترت أضلع الغزوة الحالية ليتم نشر صور لمجموعة من الشباب يحمل كل منهم لافتة عبارة عن دائرة عليها عبارة "صلي على النبي" محاطة بأسهم دائرية في إشارة إلى الاستمرار من دون توقف. والتقطت صفحات أخرى ملامح الغزوة الجديدة، وقررت الانضمام إلى صفوف المقاتلين، فبين أفراد أخذوا على عاتقهم مهمة إعادة النشر وتكثيف الثناء على هذه الحملة العظيمة، والفكرة الرهيبة التي تسعد القلوب وتنير العقول وتذلل الصعاب، وصفحات خدمية لأبناء قرى ومدن، ومجموعات العاملين في شركات ومصانع، وحتى اتحادات شاغلي عمارات وغيرها تحوّلت غزوة "الصلاة على النبي" الأحدث إلى حديث الساعة.
والتقط الإعلام الخيط لتتوالى التغطيات التي جاء أغلبها ممجداً معظماً مثمناً الحملة في تغطيته "الإخبارية". ولم تخرج أخبار الحملة عن وصفها بـ"المشاعر الطبيعية الخالية من أية شعارات أو إعلانات"، التي حازت "تفاعلاً غير مسبوق من رواد السوشيال ميديا الذين اعتبروها من أجمل وأهدأ الترندات في تاريخ الترندات المعاصر"، و"حققت انتشاراً غير مسبوق في وقت قياسي، وهو ما يعكس حالة من الروحانية والسكينة بين المتابعين، وأعاد للأذهان أهمية الزخم الرقمي والمحتوى الهادف لمنصات التواصل الاجتماعي"، و"حملة تعكس رسالة دينية إيجابية بعيدة تماماً من الجدل والانقسام المعتادين".
اعتادت غزوات "الصلاة على النبي" المتكررة تكراراً غريباً في العقد الأخير أن تثير الجدل والانقسام، وهو في أغلبه جدل يسعى إليه أنصار الحملات بغرض "كشف أعداء الدين وتعرية كارهي المتدينين"، وانقسام يكشف عن جهات أو كيانات ما تمعن في غرس ونشر المزيد من بذور التدين الشعبوي المكتفي بالأغلفة من دون المحتوى، والمختزل للتدين في ظواهر صوتية وعضلية وعددية.
كذلك كشف عن رصد من قبل قلة من الكتاب والمثقفين للظاهرة باعتبارها ناقوس خطر، لا اعتراضاً على الصلاة على النبي، لكن على وضعها في إطار الغزوات القاهرة لأعداء الدين، وإلباسها لباس الفتوحات الإسلامية القاهرة للكفار.
غزوات وفتوحات "الصلاة على النبي" السابقة، التي تواترت في مصر على مدار ما يزيد على عقد بقليل صنعت لنفسها دورة حياة باتت معروفة. تظهر الدعوة فجأة في صورة ملصق على الجدران في الشوارع، لا سيما في المناطق الشعبية، ثم ينتشر انتشار النار في الهشيم، فيتمدد ليصل إلى واجهات المحلات وزجاج السيارات والتكاتك وباصات النقل العام، ثم يبدأ الفريق الناقد في السؤال عن الظهور المفاجئ والسبب المباغت، فيجري سن الأسنان وكذلك الأقلام للرد على التساؤل الخبيث الكاشف للعداء تجاه الدين.
ويتخذ فريق آخر على عاتقه مهمة التظاهر بالتفوق الديني، ومن ثم الأخلاقي، وفريق ثالث تكون مهمته رفع راية "وإيه إللي زعلك في الدين؟"، وذلك في إطار الدفاع المستميت عن الغزوة، ويكتب البعض أو يتحدث منتقداً لمثل هذه الحملات التي تختزل الدين في طقس كلامي مع وصم المنتقدين بقلة الإيمان، وأحياناً الكفر، وبعد بضعة أيام تخفت الغزوة ويخمد الفتح، ولا يتبقى منه إلا بقايا الملصقات على الواجهات.
التكنولوجيا تلقي بظلالها تكرار الغزوات في العقد الأخير تلوّن بألوان التكنولوجيا وتأثر بانتشار الوعي الرقمي. فبعد ما كان الأمر مقصوراً على ملصقات ورقية، لجأ إلى صفحات السوشيال ميديا، لترويج الفكرة، وإشعال فتنة العراك بين فريق معتبراً حملة "الصلاة على النبي" عزة للدين وفخراً للمتدينين، وآخر معتبراً الحملة ضحالة فكرية ونزق عقلي إذ إن التدين شأن شخصي، ولا يحتاج إلى حملات وغزوات وفتوحات للصلاة على النبي.
ومع الزيادة الكبيرة والسريعة في انتشار الهواتف المحمولة في أيدي الجميع، أصبح معتاداً أن تجد هاتف أحدهم "يصلي على النبي" بين الحين والآخر من دون سابق إنذار، فقط بعد تحميل برنامج "صلي على محمد" من على "غوغل بلاي" أو عبر تطبيق من "آبل ستور".
الجديد في الغزوة الحالية هي مكبرات الصوت، التي تبرع بها رجل البر والتقوى المشار إليه على صفحة أبناء المحلة. مهمة هذه الميكرفونات هي الصلاة على النبي كل أربع دقائق، وهي المهمة التي حصلت على ثناء الكثيرين عبر منصات السوشيال ميديا، ومنهم من طالب بالانضمام إلى الحملة سواء متبرعاً عبر شراء المزيد من المكبرات التي تصلي على النبي، أو منتفعاً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
