فى ظل التحولات المتسارعة التى تشهدها سوق العمل، وازدياد الإقبال على التعليم غير التقليدى واكتساب المهارات الرقمية، برزت ظاهرة الكيانات التعليمية الوهمية والدورات غير المعتمدة كأحد أخطر التحديات التى تهدد مستقبل الشباب وثقة المجتمع فى منظومة التعليم والتدريب.
واستغلت تلك المنصات الطموحات المشروعة للباحثين عن فرص عمل أفضل، وذلك عبر منصات ومراكز تدريب غير مرخصة تروّج لشهادات دولية وهمية وبرامج تعليمية غير معترف بها، مقابل مبالغ مالية باهظة، دون أى سند قانونى أو اعتماد رسمى.
«الدستور» تتناول أبعاد هذه القضية من خلال توثيق شهادات حقيقية لضحايا، ورصد الإطار القانونى المنظّم للعملية التعليمية فى مصر، واستعراض تحركات الجهات الرقابية والأمنية لمواجهة هذه الكيانات غير القانونية.
كما نناقش دور الإعلانات المضللة والتقنيات الرقمية الحديثة فى تضليل المواطنين، فى محاولة لرسم صورة متكاملة لظاهرة باتت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن التعليمى والاقتصادى، وتستدعى وقفة جادة لحماية حقوق المتعلمين وصون مصداقية التعليم.
«محمد» يستدين 15 ألف جنيه للحصول على دورة تسويق رقمى وهمية
فى عام ٢٠٢٤، رأى محمد أحمد إعلانًا على «فيسبوك» يروج لدورة فى التسويق الرقمى من مركز تدريب يدعى «الأكاديمية الدولية للعلوم والتدريب»، وعدته بشهادة بريطانية معتمدة دوليًا وبوظيفة مضمونة براتب يبدأ من ٨٠٠٠ جنيه شهريًا، لكن عندما قدمها لشركة، رفضوها تمامًا لأنها غير مدرجة فى قوائم الاعتماد الرسمية.
يقول «محمد» إنَّ الإعلان تضمن شهادات مزيفة من «خريجين» يعملون فى شركات كبرى، مثل جوجل وأمازون، مع صور براقة لمكاتب حديثة ومحاضرات تفاعلية، ما جعله يقتنع لتحسين وضعه الاقتصادى، ودفع ١٥ ألف جنيه مقدمًا عبر تحويل بنكى، مستنزفًا مدخراته القليلة ومقترضًا من أقاربه.
استمرت الدورة ثلاثة أشهر عبر برنامج «زووم»، لكن المحتوى كان سطحيًا: فيديوهات مسجلة قديمة عن أساسيات «فيسبوك أدس»، دون تدريبات عملية أو مشاريع حقيقية.
وفى نهاية الدورة، حصل «محمد» على شهادة إلكترونية بتصميم جميل، لكنها غير موقعة رسميًا ولم تذكر أى جهة معتمدة، وعندما حاول الاتصال بالأكاديمية للحصول على «الشهادة الرسمية»، وجد أن الرقم السابق معطل والصفحة على «فيسبوك» محذوفة.
فى يناير ٢٠٢٥، قدم «محمد» الشهادة فى مقابلة عمل بشركة تسويق فى القاهرة، لكن مدير الموارد البشرية رفضها فورًا بعد التحقق من قوائم الاعتماد الرسمية لوزارة التعليم العالى، ففى قائمة سوداء صادرة عن الوزارة فى أغسطس ٢٠٢٥، تم ذكر هذا المركز بالإضافة إلى «مركز تدريب التكنولوجيا والعلوم الحديثة» و«المركز البريطانى للتدريب»، كلها كيانات وهمية ضُبطت لعملها بدون رخص.
الصدمة كانت كبيرة؛ أضاع «محمد» أمواله ليحضر الدورة، وتراكمت عليه ديون بفوائد، ليقوم بتقديم شكوى لجهاز حماية المستهلك فى كفر الشيخ، الذى سجلها برقم وأحالها إلى النيابة العامة بتهمة النصب والاحتيال.
أحلام «سارة» تتبخر مع شهادة جامعة أكسفورد المزيفة
سارة على، أم لطفلة رضيعة من الجيزة، تركت عملها كموظفة استقبال فى فندق بسبب ظروفها العائلية، وبدأت تبحث عن فرصة عمل عن بُعد فى مجال التصميم الجرافيكى.
فى مارس ٢٠٢٥، جذبها إعلان على إنستجرام لـ«مركز التكنولوجيا والعلوم الحديثة»، الذى يعد بدورة احترافية مدتها شهران مقابل ٢٠ ألف جنيه، مع شهادة معتمدة من «جامعة أكسفورد» وشراكات توظيف مع شركات تقنية سعودية وعربية.
الإعلان عرض فيديوهات لطلاب يحصلون على وظائف فورية، وشهادات مدعومة بلقطات شاشة من لينكد إن مزيفة، ما دفع «سارة»، التى لم تكن تعرف كيفية التحقق من الاعتماد، إلى دفع المبلغ كاملًا عبر رابط «باى بال»، بعد اقتراضها جزءًا من عائلتها.
وأكدت «سارة» أنَّ الدورة كانت عبر تطبيق «تيليجرام»، مع دروس أسبوعية قصيرة عن «فوتوشوب وكوريل دراو» بمستوى مبتدئ، دون مشرفين حقيقيين أو مشاريع تطبيقية، مُشيرة إلى أنَّه بعد الانتهاء، أرسلوا لها شهادة PDF بسيطة، لكن عند محاولتها تسجيلها فى سوق العمل المصرية، اكتشفت أنها غير مدرجة فى قاعدة بيانات المجلس الأعلى للجامعات، وأن المركز مدرج فى القائمة السوداء الصادرة عن وزارة التعليم العالى فى أغسطس ٢٠٢٥ ككيان غير قانونى يعمل بدون رخصة.
وفى مقابلة عمل افتراضية مع شركة سعودية فى مصر، سألت «سارة» عن الشهادة، فاعترفت بالحقيقة وفقدت الفرصة؛ ما أدى إلى إحباط شديد ومشاكل نفسية أثرت على صحتها.
قالت «سارة» إنَّها قدمت شكوى فورية إلى جهاز حماية المستهلك بالقاهرة، الذى فتح تحقيقًا وتعاون مع قطاع مكافحة الجرائم الإلكترونية، وفى أكتوبر ٢٠٢٥، تم حل المركز وضبط ثلاثة أشخاص، لكن التعويض الذى حصلت عليه لم يتجاوز ٥٠٠٠ جنيه بسبب إفلاسهم المزعوم.
شهادة غير معتمدة تحبط جهود «أحمد» فى التوظيف
أحمد السيد، خريج كلية التجارة- جامعة القاهرة، يعانى البطالة منذ تخرجه فى ٢٠٢٣، رأى إعلانًا على «يوتيوب» لـ«أكاديمية الهرم للدراسات المتخصصة» فى يونيو ٢٠٢٤، يروج لدورة فى إدارة المشاريع مقابل ١٢ ألف جنيه، مع وعد بتوظيف مضمون بنسبة ٩٠٪ فى شركات متعددة الجنسيات وعقد رسمى يضمن راتبًا ١٠ آلاف جنيه.
وقال «أحمد» إنَّ الإعلان تضمن فيديو لـ«مدير الأكاديمية» يتحدث عن شراكات مع مايكروسوفت، وروابط لتسجيل سريع، مؤكدًا أنَّ الدورة استمرت شهرين بمحاضرات مسجلة عامة من الإنترنت، دون تدريب عملى أو اختبارات.
وبعد الانتهاء، لم يحصل على أى دعم توظيفى، حيث حاول فى سبتمبر ٢٠٢٥، التقدم لوظيفة فى بنك، لكن الشهادة رُفضت؛ لأن الأكاديمية مدرجة فى القائمة السوداء لوزارة التعليم العالى ككيان وهمى، كما أكدت الوزارة فى بيان رسمى فى ٢٠٢٥.
«التعليم العالى» ترد بـ«القائمة السوداء»
فى أغسطس ٢٠٢٥، وجه الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالى والبحث العلمى، بإعداد «القائمة السوداء» للكيانات الوهمية التى تدّعى تقديم شهادات معتمدة دون الحصول على التراخيص اللازمة، وتم نشر القائمة عبر الموقع الرسمى للوزارة وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعى، لتمكين الطلاب وأولياء الأمور من التعرف على هذه الكيانات وتجنب الوقوع فى فخها.
وأوضح الدكتور جودة غانم، رئيس قطاع التعليم بالوزارة، أن لجنة الضبطية القضائية تواصل ملاحقة هذه الكيانات بالتعاون مع هيئة الرقابة الإدارية والأجهزة المعنية، بهدف حماية الطلاب وأولياء الأمور من الاستغلال.
وأكد أن الوزارة تتلقى البلاغات بشأن أى كيانات وهمية وتعمل على التحقيق فيها فورًا، كما تقوم بزيارات مفاجئة لرصد المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية ضدها.
من جانبه، صرح الدكتور عادل عبدالغفار، المستشار الإعلامى والمتحدث الرسمى للوزارة، بأن الوزارة نشرت قائمة بأسماء المؤسسات التعليمية المعتمدة فى مصر عبر وسائل الإعلام والموقع الرسمى، مع تحديثها المستمر وفقًا للقرارات الجمهورية والوزارية، مؤكدًا رصد المحتوى الدعائى للكيانات الوهمية عبر الإنترنت وتحويله إلى لجنة الضبطية القضائية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
خبير أمن معلومات: الذكاء الاصطناعى يدخل على خط التزوير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
