بينما تتسابق شركات التكنولوجيا الكبرى للسيطرة على سباق الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال أكثر واقعية على الأرض وهو هل الشبكة الكهربائية الأميركية قادرة على تحمّل هذا الطموح. يشير الواقع إلى أن فاتورة هذا السباق لا تُدفع فقط من قبل عمالقة التقنية، بل تصل تدريجياً إلى جيوب الأسر الأميركية، في وقت تعاني فيه البنية التحتية للكهرباء من الشيخوخة وضغوط ما بعد الجائحة.
طفرة المراكز وطاقة لا تكفي تشهد الولايات المتحدة توسعاً غير مسبوق في بناء مراكز البيانات، وهي العمود الفقري لتقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، تستهلك هذه المراكز كميات هائلة من الكهرباء، ما يضع الشبكة الأميركية، الأقدم نسبياً، تحت ضغط متزايد.
طلب الإدارة الأميركية، إلى جانب تحالف من حكّام ولايات الشمال الشرقي، من «بي جي إم»، أكبر مشغّل لشبكات الكهرباء في البلاد، البحث عن حلول عاجلة لكبح الارتفاع الحاد في أسعار الكهرباء. من بين المقترحات المطروحة تنظيم مزاد طارئ للطاقة تتحمّل خلاله شركات التكنولوجيا جزءاً من التكلفة المتزايدة، رغم أن البيت الأبيض والولايات لا يملكون صلاحية إلزام «بي جي إم» بذلك.
أين تُبنى مراكز البيانات؟ تتصدر فرجينيا المشهد عالمياً، إذ تضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، مع 561 مركزاً موزعة على 23 سوقاً، وفق بيانات داتا سنتر ماب. لكن التوسع لم يعد محصوراً هناك. تشير تقارير حديثة إلى انتقال الاستثمارات نحو مناطق أقل ضغطاً على الشبكة وأكثر وفرة في الطاقة، مثل دنفر ولوس أنجلوس وبنسلفانيا. لجأت بعض الولايات، مثل أوهايو، إلى تقديم حوافز ضريبية، وصلت إلى إعفاءات جزئية أو كاملة من ضريبة المبيعات، لجذب هذه الاستثمارات الضخمة. من يقود السباق؟ أنفقت شركة ميتا 17 مليار دولار على النفقات الرأسمالية في الربع المنتهي في يونيو حزيران 2025. رفعت مايكروسوفت الرقم إلى 24.2 مليار دولار في الربع نفسه، بينما أعلنت أمازون استثمار 15 مليار دولار في شمال إنديانا لبناء مجمّعات جديدة لمراكز البيانات، إضافة إلى 11 مليار دولار كانت قد أعلنتها في 2024. وتشير تقديرات بنك أوف أميركا إلى أن الإنفاق السنوي على بناء مراكز البيانات بلغ نحو 40 مليار دولار حتى يونيو. من يدفع الثمن؟ المستهلك أولاً انعكس الضغط على الشبكة مباشرة على الأسعار، ارتفعت معدلات الكهرباء السكنية بنسبة 5.2% في أكتوبر مقارنة بالفترة نفسها من 2024، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. وفي المناطق القريبة من مراكز البيانات، كانت الزيادة أكثر حدة، إذ قفزت التكاليف بما يصل إلى 267% خلال خمس سنوات، وفق تحليل سابق لبلومبيرغ. لا يقتصر السبب على زيادة الطلب فقط، بل يعود أيضاً إلى ضعف شبكة التوزيع الأميركية وارتفاع تكاليف تحديثها بعد صدمات سلاسل الإمداد في فترة ما بعد الجائحة. مع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل. ففي بعض الحالات، قد تنخفض الأسعار إذا أُنشئ مركز بيانات في منطقة لديها طاقة فائضة أو إذا عمل خارج أوقات الذروة. شهية متزايدة للكهرباء توقعات وزارة الطاقة الأميركية تشير إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك بين 6.7% و12% من إجمالي الكهرباء في أميركا بحلول 2028، مقارنة بـ4.4% فقط في 2023. دفع هذا الارتفاع بعض شركات المرافق إلى استحداث تعريفات خاصة للعملاء الكبار، حتى لا يتحمّل المستهلك العادي العبء كاملاً. الولايات أيضاً بدأت التحرّك، فقد أقرت أوريغون قانوناً يُلزم مراكز البيانات بتحمّل الكلفة الحقيقية للضغط الذي تفرضه على الشبكة الكهربائية. وفي خطوة لافتة، أعلنت مايكروسوفت استعدادها لدفع فواتير كهرباء أعلى في المناطق التي تبني فيها مراكز بيانات. الماء.. الضحية الصامتة الكهرباء ليست المورد الوحيد المتأثر. مراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه لتبريد أنظمتها المعقدة. تقديرات تشير إلى أن الطلب على المياه من هذه المرافق قد يرتفع بنسبة 170% بحلول 2030. وحتى محطات الطاقة الحرارية التي تدعم تشغيل هذه المراكز تعتمد بدورها على المياه في عمليات التبريد. معادلة صعبة يعِد الذكاء الاصطناعي بمكاسب اقتصادية هائلة، لكن كلفته الخفية بدأت تظهر بوضوح في فواتير الكهرباء والمياه. السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت مراكز البيانات ستستمر في التوسع، بل كيف يمكن تنظيم هذا التوسع بحيث يكون الجميع رابحاً، من شركات التكنولوجيا إلى الأسر الأميركية، دون أن تتحول المجتمعات المحلية إلى الخاسر الأكبر.
(أوزينيا بيكون CNN)
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
