كانت أنثى اللقلق الأبيض تُحلق في كبرياءٍ أخاذ، جناحاها البيضاوان ذوا الأطراف السوداء يتلألآن كالشراع في السماء. قطعت هذه المسافرة النبيلة آلاف الكيلومترات من أقصى أوروبا الشرقية، مسترشدة ببوصلة فطرية ورثتْها عن أجدادها، وبتلك النبضة القديمة التي تدفعها نحو الدفء والخير الوفير.
وجهتها كانت واضحة، ومحفورة في ذاكرتها الجينية: «بحيرة البرلس» شمال دلتا مصر. ذلك الملاذ الآمن الذي لم يخذلها قط، حيث تتناثر جزر "البوص" الخضراء وتنتشر الأسماك الصغيرة بوفرة، واحة هادئة بعد عناء رحلة الموت والحياة.
مع اقترابها من الأفق المصري، بدأت تشتم رائحة الملوحة الخفيفة، وتستشعر الدفء المعهود. لكن شيئاً ما كان مختلفاً. شيء لم تتوقعه في رحلتها السادسة.
الأرض أسفلها بدت أكثر جفافاً، لون "البوص" ليس أخضر زاهياً ككل عام، بل يميل إلى الاصفرار، والمساحات المائية الشاسعة التي اعتادت الرسو عليها بدت متقلصة.. بسبب تأثير التغيرات المناخية التي باتت تسبب قلقا للعالم أجمع.
ارتفاع درجات الحرارة يؤدي لتبخر المياه في بعض السبخات والبرار، مما يفقد الطيور أماكن الشرب والراحة، وهو ما تتعرض له الطيور المهاجرة (مثل اللقلق الأبيض والصقور) والتي تحتاج إلى "محطات استراحة" مثل محمية رأس محمد، بحيرة ناصر، ومحميات البحر الأحمر.
أما بالنسبة للطيور الحوامة.. فهي تعتمد على تيارات الهواء الساخنة للطيران، وأي تغير في أنماط الرياح بسبب المناخ قد يجعل الرحلة أكثر إرهاقاً أو يدفعها لتغيير مسارها بعيداً عن مصر.
الدلتا المصرية هي واحدة من أكثر المناطق تأثراً بارتفاع منسوب سطح البحر.. وتآكل السواحل وغرق بعض أجزاء البحيرات الشمالية (مثل المنزلة والبرلس) يغير ملوحة المياه وطبيعة الغطاء النباتي (مثل البوص والهيش)، وهو السكن الأساسي لآلاف الطيور المهاجرة.
فيما تؤكد التقارير الدولية الصادرة عن منظمة "حياة الطيور العالمية" (BirdLife International) أن مصر ليست مجرد دولة عابرة للقارات، بل هي "الجسر البري" الوحيد الذي يربط بين ثلاث قارات (أفريقيا، آسيا، وأوروبا)، مما يجعلها ثاني أهم مسار لهجرة الطيور في العالم، وممراً إجبارياً لملايين الطيور سنوياً.
وعن أهم ما يميز مصر لتصبح جسرًا بريًا لهجرة الطيور.. يقول الدكتور مجدي علام، خبير التغيرات المناخية، إن مصر هي الجسر البري الوحيد (عنق الزجاجة).. لأنها تسمح للطيور "الحوامة" (مثل اللقالق والنسور والصقور) بالانتقال من أوروبا وآسيا إلى أفريقيا دون الحاجة لعبور مساحات شاسعة من البحار. ##
هذه الطيور تعتمد على التيارات الحرارية الصاعدة التي تتكون فوق اليابسة فقط، وبما أنها لا تستطيع الطيران لمسافات طويلة فوق الماء، فإنها تضطر للمرور عبر "عنق الزجاجة" في سيناء وقناة السويس.
وهناك أيضا تنوع النظم البيئية .. يصفها "علام" بأنها المحطات الخمس التي تتنوع في نظمها البيئية، وتوفر "خدمات فندقية" للطيور المنهكة.. وهي:
الأراضي الرطبة: مثل البحيرات الشمالية (المنزلة، البرلس، إدكو) التي تعد مشتىً عالمياً للبط والطيور المائية.
البيئة البحرية: سواحل البحر الأحمر وجزره التي تستقبل طيوراً نادرة مثل "نورس عجمة".
البيئة النهرية: وادي النيل الذي يمثل "خط إمداد" أخضر وسط الصحراء.
البيئة الصحراوية والجبلية: مثل جبال سانت كاترين والعوينات.
الأرقام تتحدث
تستقبل مصر سنوياً ما يزيد عن ملايين الطيور (يُقدر بـ 1.5 مليون طائر من الطيور الحوامة فقط)، ينتمون لأكثر من 500 نوع. من بينها أنواع مهددة بالانقراض عالمياً تجد في المحميات المصرية ملاذاً أخيراً لها خلال رحلة الشتاء والصيف.
ممر الصدع الإفريقي العظيم
ويكمل علام: يمر فوق مصر واحد من أهم خطوط الهجرة في العالم وهو "مسار حفرة الانهدام".....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بوابة الأهرام
