في مصر لا يعلو صوت فوق صوت ملف الديون، فبينما أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن حكومته تعمل لخفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 عاماً، ليطالب العديد من الاقتصاديين بنقل عدد من أصول الدولة المصرية إلى البنك المركزي.
واقترح عدد من الخبراء ورجال الأعمال في مصر تنفيذ «مقايضة كبرى» تقتضي استبدال الدين العام بأحد الأصول الضخمة المملوكة للدولة، يتمثل في هيئة قناة السويس، إلى البنك المركزي المصري.
ووفقاً لبيانات وزارة المالية بلغت نسبة مديونية أجهزة الموازنة في العام المالي السابق 2024-2025 نسبة 84% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن يستمر في التراجع إلى 80% من الناتج المحلي خلال العام المالي الجاري 2025- 2026.
وتخطط الحكومة لوضع الدين على مسار التراجع ليسجل 70% من الناتج المحلي خلال العام المالي 2028-2029 و68% في العام المالي 2029-2030.
خفض فاتورة خدمة الدين وتشير استراتيجية المالية العامة إلى أن مصر تستهدف خفض فاتورة خدمة الدين لتصل إلى 35% من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، يقول محمد فؤاد، عضو مجلس النواب ورئيس مركز العدل لدراسات السياسة العامة، إن الحكومة المصرية تتعامل حالياً مع ملف الدين دون خطة واضحة. ويوضح أن ما يحدث خلال السنوات الأخيرة هو نمو في الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أنه في العام المالي 2024/2025 بلغ نحو 16 تريليون جنيه، بينما يُتوقع أن يصل في العام المالي التالي إلى 20 تريليون جنيه، بما يعكس زيادات مطردة يمكنها نظرياً استيعاب انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بشكل طبيعي.
ويضيف فؤاد أن السردية الوطنية الصادرة عن الحكومة وضعت خطة الديون كمؤشر أول ضمن مؤشرات الأداء، مع طرح ثلاثة سيناريوهات لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، «السيناريو الأول يستهدف الوصول إلى 85% وهو قريب من المستوى الحالي، بينما يتحدث السيناريو الثاني عن 75%، أما سيناريو الإصلاحات، وهو الأكثر تفاؤلًا، فيستهدف 70% من الناتج المحلي».
لكن فؤاد يؤكد أن المشكلة لا تكمن في هذه السيناريوهات بحد ذاتها، بل في الخلط بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وما يعني المواطن فعلياً، «الدولة لا تنفق من الناتج المحلي، لأن الناتج يعبر عن مجمل النشاط الاقتصادي، وليس عن دخل فعلي، وتحويل الناتج المحلي إلى دخل يتم فقط عبر آلية واحدة هي الضرائب».
الدين المحلي ارتفع الدين المحلي المصري بنهاية يونيو 2025 بنسبة 3.5% ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه، مقابل 10.685 تريليون جنيه خلال الربع الأول من العام نفسه، بحسب البيانات المنشورة على موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
وأوضحت البيانات ارتفاع الديون المحلية قصيرة الأجل في الربع الثاني من عام 2025 بنسبة 2.8% لتسجل 9.517 تريليون جنيه، مقارنة بـ9.259 تريليون جنيه في نهاية مارس 2025، في حين انخفضت الديون متوسطة الأجل بنسبة 9.9% لتسجل نحو 328.659 مليار جنيه، مقابل 364.845 مليار جنيه في نهاية مارس 2025.
ويقول فؤاد، إن الحكومة يجب أن تركز على مؤشر الإيراد من الناتج المحلي، وليس على نسبة الدين إليه، «فحتى مع انخفاض الدين من 90% إلى 84% من الناتج المحلي، تظل الضرائب كنسبة من الناتج ثابتة عند مستويات تتراوح بين 12% و13%، وبالتالي فإن زيادة الناتج لا تنعكس على خفض حقيقي للدين، ولا تحسن الأوضاع المعيشية لغياب الإيرادات المولدة والحيز المالي اللازم للإنفاق الاجتماعي والاستثمار في البشر والصحة والتعليم».
تخطط الحكومة المصرية لاستهداف إجراءات لتوسيع القاعدة الضريبية وتنمية موارد الموازنة بشكل دائم ومستدام، وذلك لخفض الدين، وفقاً لاستراتيجية المالية العامة.
وتقول وزارة المالية إنها تهدف لتوحيد الرسوم الضريبية في إطار واحد مثل رسوم التنمية والخدمات والإجراءات الإدارية، خاصة أنها واحدة من التحديات الرئيسية التي تواجه المستثمرين سواء محلياً أو في الخارج.
وستقسم الوزارة هذه الرسوم إلى 3 مجموعات، وهي رسوم تشغيلية ورسوم تراخيص ورسوم تأسيس، ويهدف هذا الدمج إلى توفير وضوح أكبر للشركات حول التزاماتها المالية الإجمالية وتبسيط الإجراءات.
زيادة نسبة الإيرادات الضريبية وتسعى الحكومة المصرية لزيادة نسبة الإيرادات الضريبية من الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 15.2% بحلول العام المالي 2029-2030 مقارنة بنسبة 12.3% في العام المالي 2024-2025.
تستهدف وزارة المالية المصرية الاقتراض عبر مصادر جديدة وميسرة توجّه لتمويل احتياجات أجهزة الموازنة، لترتفع نسبة تلك الآليات الجديدة إلى ما لا يقل عن 60% من إجمالي الاقتراض الخارجي السنوي وذلك للحد من فاتورة الدين.
وقالت الوزارة في استراتيجية المالية العامة للمدى المتوسط (2026-2027 حتى 2029-2030) إنها تستهدف إجراء صفقات في مبادلة الديون إلى استثمارات، ما يحقق عوائد اقتصادية إيجابية للطرفين.
كما تخطط الحكومة المصرية لتوجيه نحو 50% على الأقل من عمليات التخارج وبيع الأصول وأي عوائد استثنائية أخرى لتخفيض الدين.
ويرى فؤاد أن ما يجري حالياً من قبل الحكومة هو ملاحقة أرقام تصلح للعرض أمام المؤسسات الدولية وتبرير الاقتراض، لكنها لا تمس جوهر الأزمة، «لا توجد حلول استثنائية لمشكلات هيكلية، ولا يمكن معالجة الأزمة عبر منقلات حسابية أو إخفاء أرقام الدين بنقلها من جيب إلى آخر داخل الدولة، فإعادة توزيع الدين بين مؤسسات حكومية دون خلق نقد جديد أو موارد حقيقية لا تمثل حلاً، بل تؤجل الأزمة».
ويؤكد فؤاد ضرورة الكف عن البحث عن تخريج ، لأن ذلك يعطي انطباعاً زائفاً بأن المسار صحيح، بينما الواقع غير ذلك، ويضيف أن الحل يبدأ بالاعتراف بعدم السير في الاتجاه الصحيح، ثم الانتقال إلى تنظيم إدارة آجال الديون، وخفض النفقات غير الضرورية، والعمل الجاد على تعبئة الموارد وتنمية الإيرادات، «رغم أن هذه الحلول تبدو تقليدية ومملة للبعض».
ويشير فؤاد إلى أن المؤشرات الصحيحة هي تلك التي تهم المواطن مباشرة، وفي مقدمتها الإيراد، «فخفض الدين إلى الناتج المحلي لا يعني المواطن في شيء إذا لم يصاحبه ارتفاع في الإيرادات، وتشير الموازنات إلى طموح برفع الإيراد من الناتج المحلي إلى 17% بدلاً من 13%، لكن هذا الطموح يظل محدوداً مقارنة بحجم المشكلة».
ويرى فؤاد أن الاقتصاد المصري خلال السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة أُدير كاقتصاد ريعي، ما يجعل أي حديث عن خفض الدين مرتبطًا في أذهان الناس بصفقة جديدة أو بيع أصل أو استثمار أجنبي، لكنه يحذر من المقايضة بين الملاءة والسيولة، لأن الاعتماد على الملاءة لتوليد السيولة أثبت تاريخياً أنه مسار غير آمن.
ويؤكد فؤاد أن الحل يكمن في التحول إلى اقتصاد تشغيلي، عبر تسهيل حركة الأعمال، وإلزام جميع الشركات بدفع الضرائب، وتقليص دور الدولة التي تمثل نحو 70% من التمويل، فحين تدور عجلة الاقتصاد ويدفع الجميع ما عليهم، يرتفع الإيراد ويتسع الحيز المالي، لتبدأ الأزمة في الانحسار، رغم أن هذه الحلول تقليدية ولا تحظى بشعبية.
ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو 2025، بحسب بيانات البنك الدولي، رغم انخفاض ديون الحكومة بنحو 1.3 مليار دولار لتسجل 80.76 مليار دولار في سبتمبر 2025 مقابل 81.99 مليار دولار في يونيو 2025.
وحول أخطر أنواع الدين، يقول فؤاد إن الدين الخارجي يمثل خطراً أكبر على الدولة، لما يحمله من مخاطر سعر الصرف وأعباء على ميزان المدفوعات، «أما الدين الداخلي فقد توسعت فيه معظم الدول النامية دون أن تتعثر، نظراً لقدرتها على تحويله إلى تضخم بحكم امتلاكها سلطة إنشاء النقد، فكلا النوعين مر، والاستمرار في أي منهما له ثمن، ويتطلب إدارة حذرة ومتوازنة».
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
