يشير تقرير البنك الدولي المعنون "حالة واتجاهات تسعير الكربون" لعام 2023 إلى حقيقة اقتصادية وبيئية فارقة، وهي أن الإيرادات العالمية المتأتية من أنظمة تسعير الكربون قد وصلت إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 95 مليار دولار أمريكي، في حين تغطي هذه الأنظمة ما يقارب 23% من انبعاثات الغازات الدفيئة العالمية. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات مالية، بل هي دليل قاطع على أن الاقتصاد العالمي بدأ يستوعب الدرس الأهم في القرن الحادي والعشرين: التلوث لم يعد مجانيا. لفترة طويلة من الزمن، تعامل الاقتصاد التقليدي مع الغلاف الجوي وكأنه مكب نفايات مفتوح ومجاني، حيث تطلق المصانع والشركات انبعاثاتها دون أن تدفع فلسا واحدا مقابل الأضرار الكارثية التي تسببها للمناخ والصحة العامة، وهي ما يسميه الاقتصاديون "التكاليف الخارجية".
فكرة تسعير الكربون تأتي لتصحيح هذا التشوه في السوق عبر مبدأ "الملوث يدفع". الهدف ليس معاقبة الصناعة، بل دمج التكلفة البيئية ضمن التكلفة التشغيلية للشركات، مما يجعل الخيارات النظيفة أكثر جاذبية من الناحية المالية وليست فقط الأخلاقية. يتم تطبيق هذه الآلية عادة عبر طريقين رئيسيين يدرسهما مهندسو البيئة والاقتصاديون بعناية. الطريق الأول هو "ضريبة الكربون" المباشرة، حيث تحدد الحكومة سعرا ثابا لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، وتجبر الشركات على دفعه. هذا النظام يتميز بالوضوح، حيث تستطيع الشركات التنبؤ بتكاليفها المستقبلية بدقة، لكنه لا يضمن بالضرورة خفض الانبعاثات إلى مستوى محدد إذا كانت الشركات مستعدة للدفع والاستمرار في التلوث.
الطريق الثاني، وهو الأكثر تعقيدا ومرونة، هو نظام "تداول الانبعاثات" (Cap and Trade). في هذا النظام، تحدد الحكومة سقفا أعلى (Cap) لإجمالي الانبعاثات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
