مقالات الشروق|مدحت نافع: سعر الصرف بين الاستقرار المؤسسى والتدهور التراكمى. «يُعدّ سعر الصرف أحد أكثر المتغيرات حساسية فى الاقتصاد المفتوح، ليس فقط كونه يحدد القيمة الخارجية للعملة، بل لأنه يختزل فى رقم واحد تفاعل الإنتاج والتجارة والادخار والاستثمار والسياسات العامة وتوقعات الفاعلين الاقتصاديين. وفى الاقتصادات المنفتحة على العالم الخارجى، لا يعمل سعر الصرف كأداة تسعير فحسب، بل كآلية لتوزيع الصدمات بين الداخل والخارج، وكمرآة لقدرة الاقتصاد على التكيّف مع الاختلالات الهيكلية والدورية.الفريسة».. المقال كاملاً

يُعدّ سعر الصرف أحد أكثر المتغيرات حساسية فى الاقتصاد المفتوح، ليس فقط كونه يحدد القيمة الخارجية للعملة، بل لأنه يختزل فى رقم واحد تفاعل الإنتاج والتجارة والادخار والاستثمار والسياسات العامة وتوقعات الفاعلين الاقتصاديين. وفى الاقتصادات المنفتحة على العالم الخارجى، لا يعمل سعر الصرف كأداة تسعير فحسب، بل كآلية لتوزيع الصدمات بين الداخل والخارج، وكمرآة لقدرة الاقتصاد على التكيّف مع الاختلالات الهيكلية والدورية.

وإذا كان مدار الجدل فى بلادنا حول إدارة سعر الصرف منكفئًا على ثنائية سطحية بين «التعويم» و«التثبيت»، فليس أقل من إدراك الفارق بين السعر الاسمى والسعر الحقيقى، بل وأيضًا بين السعر الحقيقى والسعر الحقيقى الفعّال. فالسعر الاسمى قد يضعف أو يقوى لأسباب ظرفية، بينما يعكس السعر الحقيقى القدرة التنافسية للعملة بعد احتساب فروق التضخم والإنتاجية المحلية. أما السعر الحقيقى الفعّال، فيأخذ فى الاعتبار تنافسية العملة مقارنة بمجمل شركاء التجارة الرئيسيين، وفق أوزانهم فى الصادرات والواردات، وهو المؤشر النهائى لمسار التجارة الدولية، والاستثمار الأجنبى، وتراكم الاحتياطيات، واستدامة النمو على المدى الطويل.



من هنا، تُظهر تجارب الاقتصادات الناشئة أن سعر الصرف لا يكون فى ذاته منشئًا للأزمات بقدر ما يكون كاشفًا لها. فانهيار العملة الوطنية يعكس اختلالات عميقة فى هيكل الاقتصاد وفى توازناته الداخلية والخارجية. ولذلك يظل الجدل الدائم حول التعويم أو التثبيت ناقصًا ما لم يُربط بالبيئة المؤسسية التى تحدد ما إذا كانت الصدمات تُمتص داخل الاقتصاد أم تتراكم حتى تنفجر فى صورة تخفيضات حادة متوالية لا يقطعها سوى فترات من الجمود المصطنع الذى سرعان ما يختل لاحقًا.

ويزداد هذا الخلط والتسطيح وضوحًا عند اجتراء البعض على مقارنة ضعف بعض العملات القوية ــ مثل الين اليابانى أو المارك الألمانى (قبل الوحدة الأوروبية) ــ أمام الدولار، بضعف عملات الدول الناشئة ذات الهياكل الاقتصادية الهشة. فضعف الين أو المارك لم يكن يومًا انعكاسًا لعجز هيكلى أو شحّ فى الاحتياطيات، بل كان فى كثير من الأحيان أداة تنافسية محسوبة ضمن اقتصادات صناعية عالية الإنتاجية، تمتلك فوائض تجارية مستدامة، وأسواقًا مالية عميقة، واحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبى، وقدرة شبه كاملة على التمويل بعملتها المحلية. وفى هذه الحالات، لم يكن ضعف العملة الاسمى مدخلًا لأزمة، بل جزءًا من استراتيجية نمو وتصدير عبر زيادة تنافسية المنتجات الوطنية، دون تهديد للاستقرار النقدى أو المالى.



فى المقابل، فإن ضعف عملات العديد من الدول الناشئة ــ وخاصة تلك التى تعانى ضيق القاعدة الإنتاجية، وارتفاع المكوّن المستورد، واعتمادًا مفرطًا على التمويل الخارجى ــ يأخذ دلالة مغايرة تمامًا. فهو لا يعكس خيارًا تنافسيًا، بل قيدًا هيكليًا، ولا يكون أداة امتصاص للصدمات، بل قناة لنقلها إلى الداخل عبر التضخم وتآكل الدخول وارتفاع تكلفة التحوط واستنزاف الاحتياطيات الشحيحة أصلًا. هنا، لا يعود سعر الصرف الحقيقى إلى «وضعه الطبيعى» بعد الصدمات، بل يستقر عند مستويات أضعف. أما السعر الاسمى، فلا يتحرك وفق دورة اقتصادية، بل يقفز على فترات، وكل قفزة تمثل «فاتورة مؤجلة» لاختلالات لم تُعالَج فى وقتها.

ومن ثم، فإن السؤال الجوهرى لا يتعلق بكون العملة «قوية» أو «ضعيفة» اسميًا، بل بمدى قدرة الاقتصاد على تحمّل هذا الضعف دون أن يتحول إلى أزمة. وهذه القدرة لا تُستمد من حجم الاحتياطى وحده، بل من تنوع القاعدة الإنتاجية، وعمق الأسواق، ومصداقية السياسات، وتكامل الأطر النقدية والمالية والتنظيمية.



فى هذا السياق، تكشف المقارنة بين البرازيل منذ نهاية التسعينيات ومصر منذ 2010 أن الفارق لا يكمن فى حركة سعر الصرف ذاتها، بل فى الإطار المؤسسى الذى سمح للأولى باستقرار السعر الحقيقى رغم تقلب الاسمى، بينما كرّس فى الثانية تخفيضات اسمية انتهت إلى مستويات أضعف حقيقيًا، محمّلًا سعر الصرف أعباء اختلالات لا يُفترض أن يتحملها وحده.

فقد دخلت البرازيل فى يناير 1999 مرحلة جديدة مع التخلى عن نظام سعر الصرف «شبه الثابت»، وتعرض الريال لانخفاض اسمى حاد تجاوز 40٪. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد سعر الصرف الاسمى إلى مستواه السابق، وهو ما يعكس تحولًا هيكليًا دائمًا فى المستوى الاسمى للعملة. غير أن اللافت أن سعر الصرف الحقيقى عاد إلى نطاق قريب من مستواه قبل التعويم خلال نحو 18.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 54 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 15 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 13 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 4 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
بوابة الأهرام منذ 3 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة
موقع صدى البلد منذ 10 ساعات