تعتمد الحكومات على تحليلات الاقتصاد الكلي لمعرفة مدى صحة الاقتصاد وقدرته على النمو وبناء التحليلات والدراسات لوضع الخطط المالية والموازنات خلال الفترات المقبلة، فهو من الأدوات الرئيسية في علم الاقتصاد التي لا غنى عنها. ويشكّل علم الاقتصاد الإطار الذي تُفهم من خلاله حركة الأسواق وقرارات الحكومات والشركات والأفراد، وينقسم هذا العلم إلى فرعين رئيسيين هما الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، لكلٍ منهما زاوية نظر مختلفة وأدوات تحليل خاصة، لكنهما يتكاملان في تفسير المشهد الاقتصادي.
ما هو الاقتصاد الكلي؟ الاقتصاد الكلي (Macroeconomics) يدرس أداء الاقتصاد بوصفه وحدة متكاملة، ويركّز على المتغيرات الإجمالية مثل الدخل القومي، والناتج المحلي الإجمالي، والتضخم، والبطالة، وأسعار الفائدة، والميزان التجاري، والسياسات المالية والنقدية، بهدف فهم كيفية تحقيق النمو والاستقرار السعري ورفع مستوى التشغيل وتوفير الوظائف. ظهر مفهوم الاقتصاد الكلي بصورته الحديثة بعد الكساد العظيم عام 1929، عندما عجزت النظريات الكلاسيكية عن تفسير الانهيار الاقتصادي، حتى جاء الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز بكتابه (النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقد) عام 1936 ليؤسس فكرة تدخل الدولة عبر الإنفاق العام وتحفيز الطلب الكلي، ثم تطورت لاحقاً مدارس أخرى مثل المدرسة النقدية بقيادة ميلتون فريدمان، ثم نماذج التوقعات الرشيدة والاقتصاد الكلي الحديث. وتتنوع مجالات الاقتصاد الكلي لتشمل اقتصاد النمو طويل الأجل، وتحليل الدورات الاقتصادية بين الركود والازدهار، والاقتصاد النقدي ودور البنوك المركزية، والمالية العامة والضرائب والدين، والاقتصاد الدولي الكلي المرتبط بالتجارة وأسعار الصرف.
ما هو الاقتصاد الجزئي؟ يركّز الاقتصاد الجزئي (Microeconomics) هو أحد فروع علم الاقتصاد التي تهتم بالقرارات الاقتصادية للأفراد والشركات التي تؤثر في آلية العرض والطلب بالأسواق، فهو يركّز على الوحدات الصغيرة داخل الاقتصاد مثل «المستهلك، الشركة، والسوق المحددة»، ويبحث الاقتصاد الجزئي في كيفية تحديد الأسعار وفق العرض والطلب، وطرق تعظيم الربح لدى المنتج أو المنفعة لدى المستهلك. تعود جذوره إلى كتابات آدم سميث وديفيد ريكاردو في القرن الثامن عشر، ثم تطور مع المدرسة الحدّية في القرن التاسع عشر. ما هو الفرق بين الاقتصاد الكلي والجزئي؟ يمثّل الاقتصاد الكلي خريطة الطريق العامة، بينما يقدّم الاقتصاد الجزئي تفاصيل الرحلة اليومية داخل الأسواق، حيث يهتم الاقتصاد الكلي بالمشهد العام أو الصورة الكبرى، مثل أثر رفع سعر الفائدة في التضخم أو تأثير زيادة الإنفاق الحكومي في البطالة، بينما ينشغل الاقتصاد الجزئي بأسئلة من نوع لماذا ترفع شركة ما سعر منتجها؟ وكيف يتغير طلب المستهلك عند انخفاض الدخل؟ فمثلاً، قرار البنك المركزي خفض الفائدة لمعالجة الركود هو قضية كلية تخص الاقتصاد الكلي، أما دراسة تأثير ذلك على مبيعات شركة عقارية بعينها فهو تحليل جزئي. ورغم اختلاف المنهج بين الاقتصاد الكلي والجزئي، فإن الفرعين مترابطان؛ فقرارات ملايين الأفراد والشركات تتجمع لتصنع المؤشرات الكلية، بينما تؤثر السياسات الكلية بدورها في أسعار السلع ودخول الناس، ومن دون فهم المستويين معاً يصعب تفسير الأزمات الاقتصادية أو صياغة سياسات تنموية ناجحة.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
