بعد سنوات من رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، يبدو أن 2026 قد يكون عام التحوّل. نبرة أكثر تيسيرية تتسلل إلى قرارات البنوك المركزية، لكن الأسواق لا تحتفل بالكامل. إذ يكشف تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن المشكلة لم تعد في التضخم بقدر ما أصبحت في أسعار الأصول نفسها، إذ تتراكم المكاسب، ويزداد القلق من تصحيح قد يكون قصيراً في الزمن، لكنه واسع التأثير.
تيسير نقدي.. تقوده أميركا
تكون الصورة الأوضح من الولايات المتحدة. تتوقع غالبية ساحقة من كبار الاقتصاديين تحوّلاً نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً خلال العام المقبل، مع تراجع الضغوط التضخمية وبقاء الحاجة لدعم النمو. لا يحدث هذا التحوّل في فراغ، بل يأتي بعد دورة تشديد هي الأطول منذ الأزمة المالية العالمية، ما يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي تغيير في مسار الفائدة.
تميل الصين بدورها إلى الاتجاه نفسه، مع توقعات بتيسير نقدي لدعم الطلب والنشاط الاقتصادي، بينما تقف أوروبا في موقع أكثر حذراً، إذ ترجّح الأغلبية بقاء السياسة النقدية دون تغيير، في ظل توازن دقيق بين ضعف النمو ومخاوف التضخم.
تُظهر آراء المحللين أن التضخم عالمياً يتجه في معظمه نحو المستويات المنخفضة إلى المعتدلة، مع تباينات واضحة بين المناطق.
ففي الولايات المتحدة، ينقسم التوقع بين تضخم معتدل ومنخفض.
الصورة أكثر وضوحاً في أوروبا وشرق آسيا والمحيط الهادئ، إذ تتركز التوقعات بشكل كبير في نطاق التضخم المنخفض والمعتدل.
لا تزال بعض المناطق النامية، مثل إفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تشهد نسبة أعلى من التوقعات بتضخم معتدل أو مرتفع، وإن كانت التوقعات بتضخم مرتفع جداً شبه غائبة.
تبرز الصين كحالة خاصة، حيث تميل التوقعات نحو تضخم منخفض جداً أو منخفض.
أسعار الأصول: أين تكمن المخاطر؟
يظهر التقرير أن أسهم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة أصبحت نقطة ضعف محتملة في النظام المالي العالمي. إذ إن 52% من كبار الاقتصاديين يتوقعون تراجع هذه الأسهم خلال 2026، مقابل 40% لا يزالون يرون مجالاً لمزيد من الصعود. يعكس هذا الانقسام حالة عدم يقين أكثر منه رهانا واضحاً، خاصة بعد موجة صعود دفعت تقييمات بعض الشركات إلى مستويات تاريخية مرتفعة، بناءً على التقرير.
الأسهم الأميركية الأخرى ليست بمنأى عن المخاطر، إذ يتوقع 58% تراجعها، بينما تواجه الأسهم الأوروبية وضعاً أكثر توازناً، مع توقعات بانخفاض محدود مقابل استمرار الصعود في بعض القطاعات. في الصين، الصورة مختلفة. غالبية المشاركين لا يتوقعون تراجعاً حاداً في أسهم الذكاء الاصطناعي، بينما تبقى الأسهم الأخرى تحت ضغط أوسع، مع توقعات بانخفاضها لدى أكثر من نصف الاقتصاديين. الذهب: ملاذ.. لكن ليس بلا حدود يحتفظ الذهب، الذي قفز بنحو 60% في الفترة الماضية، بمكانته كملاذ آمن في عالم يتسم بعدم اليقين. رغم ذلك، يرى 54% من الاقتصاديين احتمال تراجعه خلال 2026، مقابل نسبة أقل تتوقع استمرار الارتفاع.
يشير اللافت أن التقرير إلى أن أي انخفاض كبير في أسعار الذهب سيكون أثره محدوداً عالمياً، إذ يتوقع 89% أن يكون التأثير محصوراً، وليس واسع النطاق.
الدولار والعملات الرقمية تحت المجهر /ifram
لا يبدو الدولار الأميركي في مأمن، فإن 66% من كبار الاقتصاديين يتوقعون انخفاضه، في ظل توقعات التيسير النقدي واتساع العجز المالي. وفي حال حدوث تراجع كبير، يرى ثلثا المشاركين تقريباً أن التأثير سيكون واسعاً على الاقتصاد العالمي، نظراً لمكانة الدولار في التجارة والتمويل الدوليين.
أما العملات الرقمية، فتبقى في خانة المخاطر المرتفعة. أكثر من 60% يتوقعون تراجعها، ومع ذلك فإن أي هبوط حاد يُنظر إليه على أنه ذو تأثير محدود نسبياً، مقارنة بالأسهم الأميركية أو الدولار، ما يعكس استمرار اعتبارها سوقاً طرفية من حيث العدوى النظامية. أخطر سيناريو يطرحه التقرير يتعلق بأسهم الذكاء الاصطناعي الأميركية. في حال تعرضها لتراجع كبير، يتوقع 74% من كبار الاقتصاديين أن يكون التأثير واسع النطاق عالمياً، وهو أعلى معدل بين جميع فئات الأصول.
كما يرى 59% أن أثر هذا التراجع سيكون طويل الأمد، وليس مجرد صدمة مؤقتة.
في المقابل، أي تراجع كبير في الذهب أو أسهم الصين يُتوقع أن يكون قصير الأجل ومحدود التأثير، ما يعكس مركزية السوق الأميركية في النظام المالي العالمي. عام 2026 يبدو سنة مفصلية للأسواق. تميل البنوك المركزية للتيسير، لكن هذا التيسير يأتي في بيئة تتضخم فيها أسعار الأصول، خاصة في الولايات المتحدة. لم يعد الخطر في رفع الفائدة أو خفضها، بل في كيفية تفاعل الأسواق مع أي تصحيح مفاجئ.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
