أحمد موسى وكتاب (أسرار): صحافة تحت تهديد الرصاص

لا أخاف حين أكتب عمّا أتصور أنه الحقيقة، حتى لو كنت وحدي المؤمن بها، وحتى لو اصطفّ الجميع في الضفة الأخرى، يحملون آراءً لا تقوم على تقصّي الحقيقة بقدر ما تقوم على العاطفة، أو الأيديولوجيا، أو التسرّع، ففي اللحظات التي يمرّ فيها الوطن من عنق الزجاجة، لا يعود إخفاء الحقيقة حيادًا، ولا يصبح تشويش الوعي اختلافًا مشروعًا، بل يتحول إلى كسرٍ متعمّد لعنق الزجاجة بينما يمر الوطن ذاته في أزمته من خلالها.

وليس من السهل أن يُكتب عن الصحافة حين تتحول من مهنة نقل وتحليل إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ولا من اليسير أن يُنصف القلم حين يُطالَب بأن يكون محايدًا في اللحظة التي تُستهدف فيها الدولة ذاتها، وتُختبر فيها فكرة الوطن ومعنى البقاء، ومن هنا تكتسب تجربة الكاتب الصحفي والإعلامي الأستاذ أحمد موسى، كما ظهرت في كتابه «أسرار» وما كُشف عنه في الحوار التلفزيوني الأخير، أهمية تتجاوز شخصه، لتطرح سؤالًا أعمق عن ثمن الحقيقة، وحدود الاختلاف، والمسافة الشائكة بين المهنية والخطر.

لم أقرأ بعد كتاب «أسرار»، وأقول ذلك بوضوح كامل، لكنني شاهدت الحوار التليفزيوني اللافت الذي ظهر فيه الأستاذ أحمد موسى هذه المرة لا كمقدّم لبرنامجه «على مسئوليتي»، بل كضيف على شاشة قناة صدى البلد وعلى برنامجه، يحاوره لأول مرة ضيف القناة الإعلامي والكاتب الصحفي الكبير الدكتور محمد الباز، رئيس مجلسي الإدارة والتحرير بجريدة الدستور، في حوار هام ومصيري، والذي امتد لنحو تسعين دقيقة، اتسم بالعمق والهدوء وكشف الكثير من الخلفيات، وشارك في جانب منه الإعلامي الأستاذ نشأت الديهي. وقد أتاح هذا اللقاء، بما تضمنه من سرد وتوضيح ومداخلات، قدرًا كبيرًا من الفهم لمحتوى الكتاب وأفكاره الرئيسية، قبل الوصول إلى قراءته قراءة مباشرة ومتأنية.

كتاب «أسرار» كما بدا من مضمونه العام لا يُقدَّم بوصفه سردًا انطباعيًا أو مرافعة سياسية، بل محاولة توثيقية وبملفات استقصائية ووثائق حصرية لمرحلة فارقة من تاريخ مصر الحديث، مرحلة عام 2011 وما تلاها وما سبقها أيضا، حيث تداخلت السياسة بالأمن، واختلطت الشعارات بالتمويل، وتوارى كثير من الفاعلين خلف لافتات الثورة بينما كانت خيوط أخرى تُنسج في العتمة، واللافت في هذه التجربة أن الكاتب لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يعلن بوضوح اعتماده على مصادر رسمية موثوقة، واضعًا نفسه عن وعي في قلب معركة يعرف سلفًا أن ثمنها قد لا يكون معنويًا فقط.

وتوقف الأستاذ أحمد موسى في كتابه «أسرار» عند ملفات شديدة الحساسية، تتعلق بمحاكمات الإرهاب وتنظيم الجماعة المحظورة ونشاط الجماعات الإرهابية وشبكاتها وخطوط تمويلها، كاشفًا عن تفاصيل ظلّت لسنوات بعيدة عن الوعي العام أو محاطة بالتشويه والالتباس، كما أفرد مساحة للحديث عن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، مقدّمًا معلومات ووثائق تُسهم في إنصاف الرجل تاريخيًا، وتعيد قراءة كثير من الوقائع بعيدًا عن الأحكام المتسرعة أو السرديات الانفعالية التي سادت في أعقاب عام 2011، في محاولة لفهم أكثر عدلًا واتزانًا لما جرى، ولما غُيّب عمدًا أو سُوِّق على غير حقيقته.

وحين يحكي صحفي كالأستاذ أحمد موسى عن تلقيه تحذيرًا مباشرًا من وزير الداخلية بعدم مغادرة منزله لوجود مخطط لاغتياله، فنحن لا نكون أمام مشهد إعلامي عابر، بل أمام لحظة كاشفة لطبيعة الصراع ذاته، وهنا لا يعود الخلاف حول رأي أو موقف أو زاوية معالجة، بل حول وجود شخص قرر أن يقول ما لديه، وأن يتحمل تبعات قوله.

أما الأكثر إيلامًا في هذه الشهادة ليس التهديد في ذاته، بل الاعتراف الإنساني الصريح: التفكير في الأبناء، في الأسرة حين تصبح جزءا من معركة الحقيقة، والبيت الذي يتحول فجأة من مساحة أمان إلى نقطة مراقبة وانتظار، تلك اللحظة تحديدًا تُسقط أي خطاب إنشائي عن البطولة، وتضعنا أمام إنسان يدفع من حياته الخاصة ثمن اختياره العام.

ولعل ما ذكره الأستاذ أحمد موسى عن أن مفتي الديار المصرية السابق الأستاذ الدكتور شوقي علام، كان ينظر في قضايا إعدام تضم متهمين بمحاولات اغتياله، يفتح نافذة شديدة القسوة على واقع قلّما يُناقش بعمق، أن الكلمة في لحظات الفوضى المنظمة تصبح أخطر من السلاح، وأن الصحفي قد يتحول دون أن يحمل بندقية إلى هدف مباشر، وهذه الحقيقة ليست جديدة على التاريخ المصري الحديث، بل لها سجل طويل من الدم والتهديد والصمت القسري.

فمصر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 41 دقيقة
بوابة أخبار اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 18 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 13 ساعة
مصراوي منذ 9 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 8 ساعات
مصراوي منذ 6 ساعات
مصراوي منذ 13 ساعة