التقى جلالة الملك قبل أيام برئيس وأعضاء المكتب الدائم لمجلس النواب، وهو اجتماع سبقه لقاء مماثل مع رئيس وأعضاء المكتب الدائم لمجلس الأعيان، حيث عُقد اللقاءان بصورة منفصلة وفي توقيتين مختلفين وبموضوعات متمايزة، الأمر الذي لا يمكن قراءته بوصفه إجراء بروتوكوليا أو تفصيلا شكليا، بل يحمل دلالات دستورية وسياسية عميقة تتصل بطبيعة النظام النيابي الأردني وموقع كل من مجلسي الأعيان والنواب ضمن بنية السلطة التشريعية.
فإذا كانت العلاقة الدستورية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية تقوم على أساس الفصل المرن القائم على التعاون والتوازن، فإن داخل السلطة التشريعية ذاتها هناك نوع من الاستقلالية النسبية بين مجلسي الأعيان والنواب، تقوم على احترام الخصوصية الدستورية لكل مجلس من حيث تشكيله، وآلية اختيار أعضائه، والوظائف الدستورية الملقاة على عاتقه.
فالمشرّع الدستوري، وإن جمع المجلسين تحت مظلة مجلس الأمة، إلا أنه ميّز بينهما بوضوح من حيث التكوين والدور، وحدد الحالات التي يجتمعان فيها على سبيل الحصر، أهمها افتتاح الدورة العادية وإلقاء خطبة العرش، أو عند حل الخلاف التشريعي بينهما. أما في غير ذلك، فإن الفصل بين المجلسين، بما في ذلك اللقاءات الملكية وجلسات العمل، يُعد التزاما بروح الدستور وضمانة لاستقلال كل غرفة واحترام لطبيعة دورها.
وفي هذا الإطار، جاء لقاء جلالة الملك بالمكتب الدائم لمجلس الأعيان منسجما مع طبيعة هذا المجلس وتركيبة أعضائه، الذين اشترط الدستور فيهم الخبرة السياسية والتجربة الطويلة في إدارة الشأن العام. فقد تناول اللقاء أبرز مستجدات الإقليم والقضايا السياسية والدولية، ولا سيما الأوضاع في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. وهي موضوعات ذات طابع استراتيجي عام، تتطلب قراءة هادئة وتقديرا معمقا للمخاطر والفرص، وهو ما يعكس الدور الطبيعي لمجلس الأعيان بوصفه مجلس حكماء، يشكّل عنصر توازن واستقرار في النظام النيابي الأردني.
في المقابل، جاء لقاء جلالة الملك مع المكتب الدائم لمجلس النواب محمّلا بدلالات مختلفة، بحكم أن مجلس النواب هو مجلس الشعب، المكوَّن من ممثلين منتخبين يعكسون الإرادة الشعبية المباشرة، ويتعاملون يوميا مع توقعات المواطنين وضغوط الواقع المعيشي والسياسي. فقد أكد جلالته، وبشكل رئيسي، أهمية مواصلة العمل على تطوير آليات العمل الحزبي بما يخدم المصلحة العامة ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسة البرلمانية، إلى جانب ضرورة استمرار التنسيق بين مجلس النواب والحكومة حول الأولويات الوطنية في المرحلة المقبلة.
إن هذا التباين في مضامين اللقاءين يعكس إدراكا دستوريا عميقا لطبيعة كل مجلس وحدود دوره؛ فجلالة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
