ترامب و«غرينلاند».. قبة السماء أم كنوز تحت ما تحت الأرض؟

لم تكن غرينلاند يوماً مجرد جزيرة جليدية معزولة على هامش الخرائط العالمية، لكنها أيضاً لم تكن لتتصدر المشهد الدولي بهذا الزخم إلا بعد أن أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسليط الضوء عليها كضرورة قصوى للأمن القومي الأميركي.

وحين تحدث ترامب عن «الأمن القومي» و«الدرع الصاروخية» و«القبة في السماء»، بدا الأمر للبعض وكأنه هوس جيوسياسي بالردع العسكري وفضاء القطب الشمالي، لكن خلف هذا الخطاب تختفي حقيقة أعمق ترقد تحت طبقات الجليد السميكة.

ويبدو أن حديث ترامب عن «القبة في السماء» كان يحمل في طياته إدراكاً بأن مستقبل التكنولوجيا والطاقة والهيمنة العالمية لا يرقد في السماء فحسب، بل يكمن تحت الجليد، حيث تنتظر كنوز غرينلاند من يحسن استخراجها وإدارتها في عالم مضطرب.

وكان ترامب قد قال في دافوس أمس الخميس بشأن تأمين غرينلاند: «لست مضطرًا لاستخدام القوة، ولا أريد استخدامها، ولن أستخدمها»، مضيفًا أنه لن يفرض رسوم استيراد بنسبة 10% كان قد هدد بها على سلع من 8 حلفاء أوروبيين.

في العقد الحالي، تحولت غرينلاند من أرخبيل قطبي ناءٍ إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى العظمى الساعية للسيطرة على موارد القرن الحادي والعشرين.

وبحسب التقارير الجيولوجية المتخصصة، فإن هذه الجزيرة التي يمتد تاريخها لأكثر من أربعة مليارات سنة، تضم تشكيلات صخرية فريدة جعلتها مستودعاً عالمياً للمعادن الحرجة، والعناصر الأرضية النادرة، والأحجار الكريمة.

ومع تسارع ذوبان الغطاء الجليدي بفعل الاحتباس الحراري، بدأت هذه الكنوز بالظهور إلى السطح، مطلقة ما يسميه المحللون اليوم «اندفاع الذهب القطبي».

"قبة في السماء" أم كنوز ما تحت الأرض؟ بينما كان الحديث العلني يدور حول «قبة صاروخية» أو مراقبة الفضاء، كانت واشنطن تدرك أن السيادة الحقيقية في المستقبل تبدأ من تأمين سلاسل توريد المعادن.

ففي عام 2025، عادت الطموحات الأميركية بقوة، حيث وصفت الإدارة الأميركية السيطرة على موارد غرينلاند بأنها «ضرورة مطلقة للأمن القومي» لضمان تفوق التكنولوجيا والدفاع.

وترجم ذلك عملياً عبر تقديم بنك التصدير والاستيراد الأميركي خطاب اهتمام لتمويل منجم «تانبريز» بقيمة 120 مليون دولار، في مسعى صريح لفك الارتباط الاستراتيجي بالصين.

خطة ترامب للاستحواذ على غرينلاند العرض المالي: يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح مليون دولار لكل مواطن في غرينلاند (إجمالي 57 مليار دولار) مقابل التصويت لصالح الانضمام للولايات المتحدة. الهدف الاستراتيجي: يعتبر ترامب الجزيرة حيوية لأمن أميركا ومنطقة القطب الشمالي، وقد ناقش إطار صفقة مستقبلية مع أمين عام الناتو «مارك روته». الوسيلة: يركز ترامب على «الإغراء المالي» وإجراء استفتاء شعبي بدلاً من استخدام القوة العسكرية، معتبراً التكلفة بسيطة مقارنة بميزانية الدفاع الأميركية. الموقف الدنماركي والمعارضة المحلية رفض قاطع: أكدت الدنمارك أن الجزيرة ليست للبيع، ووصف وزير خارجيتها الأمر بأنه «خط أحمر». موقف غرينلاند: صرح رئيس وزراء الجزيرة برفض فكرة الضم، وسط مخاوف السكان من فقدان الدعم الاجتماعي الدنماركي والتحول لنظام اقتصادي أميركي. مقترحات بديلة: يناقش عسكريون في الناتو إمكانية تنازل الدنمارك عن «جيوب صغيرة» لبناء قواعد عسكرية أميركية (على غرار القواعد البريطانية في قبرص) كحل وسط. وقال ترامب أمس الخميس على هامش منتدى دافوس العالمي إنه ضمن للولايات المتحدة حق الوصول الكامل والدائم إلى غرينلاند بموجب اتفاق مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي أكد رئيسه ضرورة تعزيز الحلفاء لالتزاماتهم تجاه أمن القطب الشمالي لدرء التهديدات من روسيا والصين. وأفاد ترامب بأنه ضمن للولايات المتحدة حق الوصول الكامل والدائم إلى غرينلاند بموجب اتفاق مع الناتو، الذي أكد أن على الحلفاء تعزيز التزامهم بأمن القطب الشمالي لدرء التهديدات من روسيا والصين.

وقال دبلوماسيون إن قادة الاتحاد الأوروبي سيعيدون النظر في العلاقات مع الولايات المتحدة، بعد أن أدى تهديد ترامب بفرض تعريفات جمركية، بل وحتى عمل عسكري، إلى زعزعة الثقة في العلاقات عبر الأطلسية.

خريطة الكنوز المعدنية: مستودع العناصر النادرة تشير بيانات المؤسسة الجيولوجية للدنمارك وغرينلاند إلى أن المساحة الخالية من الجليد، والتي تتجاوز 400 ألف كيلومتر مربع، غنية بأقاليم معدنية لا مثيل لها.

وتتصدر العناصر الأرضية النادرة هذه الخريطة، حيث تحتل غرينلاند المرتبة الثامنة عالمياً باحتياطيات مؤكدة تبلغ 1.5 مليون طن، مع توقعات بوجود كميات غير مكتشفة قد تضعها في المرتبة الثانية بعد الصين.

تتركز هذه الموارد في مجمع «غاردار» القلوي جنوب الجزيرة، الذي يضم مواقع عالمية مثل «كفانيفيلد» و«تانبريز».

ويُعد مشروع «كفانيفيلد» ثالث أكبر مورد بري للعناصر الأرضية النادرة في العالم باحتياطيات تصل إلى 1.01 مليار طن، فيما يُصنف موقع «تانبريز» كأكبر مستودع محتمل للعناصر الثقيلة النادرة مثل «الديسبروسيوم» و«التربيوم»، وهي عناصر لا غنى عنها في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وأنظمة توجيه الصواريخ.

التحول الأخضر: غرينلاند مفتاح الطاقة النظيفة تكمن الأهمية الكبرى لغرينلاند في كونها لاعباً محورياً في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، حيث تمتلك الجزيرة 24 عنصراً من أصل 34 مادة خام يصنفها الاتحاد الأوروبي على أنها حيوية للصناعات الحديثة والدفاعية.

وفي هذا السياق، يبرز موقع «سارفارتوك» كمورد رئيسي لـ «النيوديميوم» و«البراسيوديميوم» المستخدمين في صناعة توربينات الرياح، بينما يغطي مشروع «مالمبيرج» للموليبدينوم نحو 25% من احتياجات الاتحاد الأوروبي.

أما المعادن النفيسة والأساسية، فقد دخل منجم «نالوناك» جنوب الجزيرة مرحلة الإنتاج بنهاية 2024 بتركيزات ذهب تُعد من بين الأعلى عالمياً. وفي الشمال، يحتضن حوض «فرانكلينيان» موقع «سيترونين فيورد»، أحد أكبر موارد الزنك غير المستغلة عالمياً.

كما شهد عام 2025 تحولاً لافتاً في منجم «بلاك أنجيل» التاريخي، حيث كشفت إعادة تقييم العينات عن وجود تركيزات تجارية من «الجرمانيوم» و«الجاليوم» و«الكادميوم»، وهي معادن استراتيجية تهيمن الصين حالياً على إنتاجها العالمي وتدخل في صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.

2025: عام التغيير السياسي والتشريعي شكلت الانتخابات العامة في مارس 2025 نقطة تحول مفصلية مع فوز حزب «الديمقراطيين» (وسط اليمين)، الذي تعهد بإعادة فتح ملف التعدين وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وتتجه الحكومة الجديدة حالياً لمراجعة سياسة «عدم التسامح المطلق» مع اليورانيوم، وهي السياسة التي أوقفت سابقاً مشروع «كفانيفيلد» الضخم.

كما تشمل خطط الحكومة تسريع منح التصاريح البيئية لتُمنح خلال 24 إلى 36 شهراً بدلاً من عقد كامل، وإنشاء صندوق سيادي لإدارة الثروات على غرار النموذج النرويجي لضمان مستقبل الأجيال القادمة.

صراع الجغرافيا السياسية: واشنطن في مواجهة بكين الصراع بين واشنطن وبكين على أرض غرينلاند يتجاوز الموارد ليشمل النفوذ العسكري، فبينما تسعى واشنطن لتمويل المناجم عبر مؤسساتها المالية، تواصل بكين تمددها عبر ما تسميه «طريق الحرير القطبي»، حيث تمتلك شركات صينية مثل «شينغهي للموارد» حصصاً استراتيجية في مشاريع كبرى مثل «كفانيفيلد».

وقد لوّحت حكومة غرينلاند في 2025 بإمكانية العودة للمستثمرين الصينيين إذا استمر تردد رأس المال الغربي في بناء البنية التحتية المطلوبة. ومن جهة أخرى، يسعى الاتحاد الأوروبي لتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الجزيرة لتأمين إمدادات الجرافيت الضرورية لبطاريات السيارات الكهربائية.

تحديات البنية التحتية والسيادة الاقتصادية يرى القادة في العاصمة «نوك» أن التعدين هو البوابة الوحيدة لتحقيق الاستقلال المالي عن الدنمارك، التي تقدم دعماً سنوياً يتجاوز 500 مليون دولار.

ورغم أن قطاع التعدين يسهم حالياً بنحو 2.5% فقط من الناتج المحلي، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية قفزه إلى 20% في حال تشغيل المناجم الكبرى.

لكن هذا الطموح يصطدم بعقبات قاسية؛ فلا توجد طرق برية تربط بين المدن، وتكاليف التشغيل في القطب الشمالي تزيد بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف عن المناطق المعتدلة.

كما تعاني الجزيرة من ندرة العمالة الماهرة، حيث يمتلك أقل من 5% من السكان مهارات مرتبطة بالتعدين، ما يثير مخاوف شعب «الإنويت» الأصلي من تغير الهوية الثقافية نتيجة الحاجة لاستقدام آلاف العمال الأجانب.

2026 وما بعدها: غرينلاند في قلب العالم يبقى التغير المناخي سيفاً ذا حدين؛ فهو يكشف الموارد ويطيل مواسم الملاحة في الممرات القطبية، لكنه يخلق مخاطر جيولوجية خطيرة تشمل تسونامي محتملاً نتيجة انهيار الكتل الجليدية.

ومع دخول عام 2026، تقف غرينلاند أمام خيارين: إما أن تتحول إلى قوة تعدين عالمية تدعم الأمن القومي الغربي والتحول الأخضر، وإما تظل رهينة التعقيدات القانونية والبيئية.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 ساعة