هل تُباع البيانات من دون أن تُباع؟ إعلانات تشات جي بي تي تفتح سؤال الثقة

مع مطلع 2026، أطلقت أوبن إيه آي قراراً مفاجئاً بإدخال الإعلانات داخل تشات جي بي تي على الطبقات المجانية والرخيصة، تشات جي بي تي غو ChatGPT Go، بعد أن كان مؤسسها سام ألتمان قد وصف الإعلانات سابقاً بأنها «خيار أخير».

السياق العالمي واتساع الاستخدام احتلّ تشات جي بي تي مكانة ضخمة في عالم التقنيات الذكية خلال سنوات قليلة. فبحسب تقارير رسمية، تجاوز عدد المستخدمين النشطين أسبوعياً مئات الملايين.

وصرّح مسؤول في أوبن إيه أي بأن عدد المستخدمين النشطين أسبوعياً ارتفع من 300 مليون في ديسمبر كانون الأول 2024 إلى 400 مليون في فبراير شباط 2025، قبل أن يقترب من 700 مليون بنهاية 2025.

ويعكس هذا الانتشار اهتماماً واسعاً عبر الشرائح والمناطق، إذ أظهرت دراسات في الخليج أن نحو 58% من المستهلكين في السعودية والإمارات استخدموا أدوات مثل تشات جي بي تي بحلول 2025، وأكثر من نصفهم يعتمدون عليها أسبوعياً أو يومياً.

وفي ظل منافسة محتدمة من نماذج مثل جيمني من غوغل وكلود من أنثروبك، تبقى تجربة الإعلانات محدودة حتى الآن، باستثناء منصات ناشئة مثل بربليكسيتي إيه أي، التي بدأت منذ 2024 اختبار إعلانات تؤكد أنها لا تؤثر على حيادية الإجابات، ما يعكس اتجاهاً متنامياً لتمويل الذكاء الاصطناعي بالإعلانات إلى جانب الاشتراكات.

وأكدت في الإعلان أنها «لن تشارك معلوماتك الشخصية مع المعلنين» وأن الإجابات ستظل حيادية دون تدخل من الرعاة.

تشير هذه التحولات إلى اتجاه جديد في تمويل الذكاء الاصطناعي يعتمد أكثر على الإعلانات بجانب الاشتراكات.

الضغوط الاقتصادية والدافع للإعلانات

يقود أوبن إيه أي طموحات وتحديات مالية هائلة، ففي 2025 قفزت عائدات الشركة السنوية إلى نحو 12 مليار دولار، لكنها في الوقت نفسه تتوقع إنفاقات باهظة، فقد رفع أوبن إيه أي تقديرات احتراق السيولة النقدية إلى نحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتشير إحصائيات صحفية إلى أن نحو 70% من إيرادات الشركة يأتي من 5% فقط من المستخدمين المشتركين والمدفوعين ما يترك 95% من المستخدمين تقريباً يعتمدون على النسخة المجانية.

في ظل هذه الخلفية، بدا أن اللجوء إلى نموذج إعلاني يشكل حلاً مهماً لتأمين موارد مالية جديدة؛ فقد نقلت تقارير أن فاينانشال تايمز تتوقع أن تحقق أوبن إيه أي «مليارات منخفضة» من إعلانات تشات جي بي تي في 2026. وتتناغم هذه التوقعات مع هدف الشركة جعل الخدمة متاحة على نطاق أوسع، من خلال تقديم خيار أرخص، 8 دولارات شهرياً، مدعوم بالإعلانات، والذي يحاكي نموذج نتفليكس للاشتراكات منخفضة الكلفة والمزودة بإعلانات.

ولعل ما يدعم هذا التوجّه أن أوبن إيه أي تخطط لاستثمار العائدات الجديدة في خفض العبء المالي، إذ يبلغ حجم الاستثمارات المتعهدة لبناء مراكز بيانات وقدرات حوسبية نحو 1.4 تريليون دولار على مدى عدة سنوات، وهو ما دفع بعض الخبراء للتحذير من مخاطر مالية. ففي نوفمبر تشرين الثاني 2025، ذكر اقتصادي بارز أن الشركة قد تواجه خطر الإفلاس بحلول 2027 إذا استمرت في حرق النقد بهذا المعدل.

وترتبط هذه الأرقام بافتتاح أوبن إيه أي جولة تمويل ضخمة ومواصلة توظيف موارد هائلة، ما يجعل تبني مصادر دخل جديدة مثل الإعلانات مسألة حيوية لاستدامتها المالية.

شكل الإعلانات والتجربة الجديدة بدأت أوبن إيه آي باختبار الإعلانات في الطبقتين المجانية وغو منذ يناير كانون الثاني 2026. وتُعرض الإعلانات في شكل روابط أو محتوى سياقي مرتبط بموضوع الحوار، على غرار ما هو معمول به في محركات البحث، مع تمييزها بوضوح على أنها محتوى «مُموّل» أو «برعاية».

وأوضحت أوبن إيه أي أنها ستستخدم بعض البيانات السياقية لتوجيه الإعلانات، من دون الكشف عن نصوص المحادثات نفسها للمعلنين.

وفي المقابل، أكدت الشركة أن الباقات الأعلى، مثل تشات جي بي تي بلس بسعر 20 دولاراً شهرياً، وباقات الأعمال، ستظل خالية من الإعلانات، ما يتيح للمستخدمين خيار الدفع مقابل تجربة أنقى. أما باقة تشات جي بي تي غو، البالغة 8 دولارات شهرياً، فتستهدف المستخدمين الباحثين عن كلفة أقل مقابل قبول الإعلانات ضمن حدود استخدام أوسع.

كما شددت أوبن إيه أي على تطبيق سياسات تمنع ظهور الإعلانات في حسابات القاصرين أو ضمن المحادثات ذات الطابع الحساس.

المكاسب الاقتصادية المحتملة يفتح نموذج الإعلانات أمام أوبن إيه أي مساراً جديداً لتعزيز الإيرادات، في وقت تواجه فيه الشركة كلفة تشغيلية مرتفعة، ويشكل سوقاً جديداً للإعلانات. وتشير تقديرات إلى أن الإعلانات قد تضيف مليارات الدولارات سنوياً إلى إيرادات تشات جي بي تي، ما يعزز القيمة السوقية للشركة وقدرتها على تمويل البحث والتطوير والبنية التحتية من دون تحميل المستخدمين زيادات كبيرة في الاشتراكات.

كما يتيح هذا النموذج توسيع قاعدة المشتركين المدفوعين عبر تقديم خيار منخفض الكلفة مدعوم بالإعلانات وهو ما قد يدفع شريحة من المستخدمين المجانيين إلى الترقية، على غرار ما شهدته منصات رقمية أخرى عند إطلاق باقات إعلانية. وفي الوقت نفسه، يمثل تشات جي بي تي قناة جذابة للمعلنين الراغبين في الوصول إلى جمهور ضخم ومتفاعل، ما يفتح سوقاً إعلانياً جديداً قائماً على الإعلان السياقي داخل المحادثات

المخاطر والتحديات المحتملة رغم هذه المكاسب، تثير الإعلانات داخل تشات جي بي تي مخاوف تتعلق بالحيادية والخصوصية. فوجود معلنين داخل بيئة تعتمد على تقديم المعرفة يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الإجابات ستظل دائماً في مصلحة المستخدم، حتى مع تأكيد الشركة أنها لن تقبل أي تمويل لتغيير محتوى الردود. كما أن مسألة الخصوصية تظل عائقاً بارزاً؛ فقد أظهرت دراسة استقصائية أن نحو ربع المستخدمين في منطقة الشرق الأوسط يضعون مخاوف الخصوصية على رأس قائمة معوقات اعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي.

وعلى الصعيد المالي، تعكس ذلك ضغوطاً متزايدة على نموذج أعمال أوبن إيه أي، في ظل معدلات حرق نقدي مرتفعة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية الحوسبية. حُذّرت أوبن إيه أي بالفعل م ن خطر الاستمرار بالاعتماد الكبير على الاستثمارات فقط. فإحدى التحليلات أشارت إلى أن أوبن إيه أي تعتزم الوصول إلى الربحية بحلول 2030، لكنها تواجه حرقاً نقدياً هائلاً. فبجانب الإنفاق الضخم المقدر بنحو 1.4 تريليون دولار لتأمين قدرات حوسبة ضخمة على مدار ثماني سنوات، ذكر تقرير أن الشركة ستنفق نحو 9 مليارات دولار من أصل 13 مليار إيرادات متوقعة في سنة واحدة، أي بمعدل حرق يفوق 70%.

وبينما تُعد الإعلانات جزءاً مهماً من استراتيجية الاستدامة، فإن نجاحها سيعتمد على قدرة الشركة على تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الإيرادات والحفاظ على ثقة المستخدمين.

هذه الأرقام تجعل من الإعلانات جزءاً لا غنى عنه من خطة الاستدامة، لكنها تفرض على الشركة التوازن بعناية بين توليد الإيرادات وحفظ ثقة جمهورها.

في النهاية، يمثل إدخال الإعلانات على تشات جي بي تي تحدياً مزدوجاً؛ فهو رهان اقتصادي قد يفتح لشركة أوبن إيه أي أسواقاً جديدة وعوائد ضرورية، لكنه أيضاً يضع على المحك مصداقية نموذج يعتمد على الموضوعية. ومع استمرار التجربة، ستحدد نتائجها مدى قدرة المنصة على الوفاء بوعودها للمستخدمين والأطراف الداعمة على حد سواء.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 دقائق
منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 17 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة