الروبوتات، والتطبيقات، والذكاء الاصطناعي لا تهدد الوظائف فحسب، بل تعيد كتابة معنى العمل نفسه، فالعمل كما نعرفه يتغير بسرعة غير مسبوقة، الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتطبيقات الرقمية لا تهدد الوظائف فحسب، بل تعيد صياغة معنى العمل نفسه، بعض المهن تتلاشى تدريجياً، وأخرى تولد من رحم التحول الرقمي، بينما بعض الوظائف التقليدية تتكيف لتواكب متطلبات الاقتصاد الجديد. بعض المهن تقاوم، بعضها يختفي ببطء، وأخرى تولد من رحم التحول الرقمي والضغوط الديموغرافية، الصورة ليست سوداء بالكامل ولا وردية تماماً، لكنها أقرب بكثير مما يظن كثيرون. هذه ليست تنبؤات بعيدة، بل مساراً يتشكل الآن.
وفي هذا التقرير نقدم خريطة شاملة للمهن الصاعدة والمتراجعة، كما يتم الكشف عن المهارات التي ستحدد من ينجح في اقتصاد يعتمد على الإبداع، والتكنولوجيا، والتفاعل البشري، ليكون مرجعاً لكل من يسعى لفهم مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.
مهن المستقبل.. الطلب يرتفع حيث الحاجة لا تُستبدل بالآلة مع تزايد عدد سكان العالم، يبرز الطب كأحد أكثر المهن أماناً في المستقبل، يعاني العالم بالفعل نقصاً حاداً في الكوادر الطبية، يُقدّر بملايين الأطباء، ما يجعل خريجي الطب من الأسرع توظيفاً فور إنهاء دراستهم.
إلى جانبهم، يبرز باحثو الطب بعد تجربة جائحة كوفيد-19، إذ لم تعد الأبحاث رفاهية علمية، بل خط دفاع اقتصادياً وصحياً في مدن أكثر كثافة ولسكّان أكثر عرضة للأوبئة.
أصبح الأمن السيبراني بدوره من ركائز الاقتصاد الرقمي. مع انتقال العمل إلى الفضاء الإلكتروني وتوسع العمل عن بُعد، تحوّل تأمين البيانات من تكلفة إضافية إلى شرط أساسي لاستمرار الشركات والدول. التهديد لم يعد نظرياً، من الهجمات على البنوك إلى البنية التحتية الحكومية، ما يفتح الباب أمام أجور مرتفعة وخيارات وظيفية واسعة.
في الاتجاه نفسه، يفرض ملف الاستدامة نفسه بقوة، بات علماء الحفاظ على البيئة جزءاً من قرارات الاستثمار والتوظيف، بعدما أصبحت السمعة البيئية عاملاً حاسماً لدى الموظفين والمستهلكين. ومع تغير أنماط الاستهلاك، تعود المهن الإبداعية إلى الواجهة الطهاة المبدعون، ومصممو الغرافيك، ورسامو التحريك، وممثلو الأداء الصوتي، ومصممو الألعاب، مدفوعين بثورة البث الرقمي وصناعة المحتوى .
ولا يمكن تجاهل مهندسي الذكاء الاصطناعي أنفسهم، وهم المفارقة الأكبر في هذه القصة. فبينما يزيح الذكاء الاصطناعي وظائف كاملة، فإنه في الوقت ذاته يخلق طلباً متسارعاً على من يصممه ويديره ويطوره، من السيارات ذاتية القيادة إلى المنازل الذكية. وإلى جانبهم، يظهر صناع المحتوى، ومديرو المجتمعات الرقمية، ومديرو وسائل التواصل الاجتماعي كمهن لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل سنوات قليلة، لكنها اليوم في صلب الاقتصاد الجديد.
حتى المهن التقليدية تجد لها شكلاً جديداً، الفنانون على اختلاف أشكالهم، يواصلون البقاء، لأن الإبداع الإنساني لم يفقد قيمته، بل غيّر منصاته، وكذلك إدارة النفايات، التي تتحول من خدمة بلدية إلى قطاع حيوي في مواجهة أزمة بيئية عالمية متصاعدة. مهن إلى التراجع: حين تنتصر الخوارزمية على الروتين في المقابل، تتآكل وظائف كانت يوماً أساسية، حكام الملاعب مثال واضح، إذ تحل تقنيات الإعادة والذكاء الاصطناعي محل العين البشرية، وهو اتجاه بدأ فعلياً في دوريات رياضية كبرى. يواجه سائقو الشاحنات المصير نفسه مع تقدم الشاحنات ذاتية القيادة، التي لم تعد فكرة تجريبية بل واقعاً على الطرق السريعة.
المساعدون الإداريون، وموظفو مراكز الاتصال، ووكلاء السفر، وأمناء المكتبات جميعهم تراجع دورهم مع برمجيات التنظيم، و خدمات العملاء الرقمية، والحجز الذاتي، والكتب الإلكترونية حتى أمناء الصناديق في المتاجر باتوا أقل حضوراً مع انتشار الدفع الذاتي والتجارة الإلكترونية. لم يكن القطاع المالي بمنأى عن التحول، تراجع الطلب على المخططين الماليين وموظفي البنوك التقليديين مع صعود التطبيقات الذكية والخدمات المصرفية الرقمية، وتسارع التحول إلى مجتمع أقل اعتماداً على النقد، وهو مسار تسارع بشكل حاد بعد جائحة كورونا. وفي الزراعة، ورغم أن الحاجة إلى الغذاء لن تختفي، فإن عدد العاملين يتقلص مع الأتمتة، والمحاصيل المعدلة، والآلات ذاتية التشغيل. أما الإذاعة التقليدية، ومختبرات تحميض الصور، والتسويق الهاتفي، وصياغة المجوهرات، وحتى الإدارة الوسطى فجميعها مهن تضغط عليها التكنولوجيا وتغيرات الذوق وأنماط العمل عن بُعد.
العمل لا يختفي بل يغيّر شكله ما يجمع بين المهن الصاعدة هو أنها تعتمد على مهارات يصعب استنساخها آلياً بالكامل، من الإبداع، والحكم البشري، والتفاعل الاجتماعي، والقدرة على التعامل مع التعقيد. أما المهن المتراجعة، فمعظمها يقوم على مهام متكررة، قابلة للبرمجة، أو يمكن تنفيذها بكلفة أقل عبر التكنولوجيا.
التحول لا يعني نهاية العمل، بل نهاية نموذج قديم له، من يتكيف مبكراً، يتعلم، ويعيد صقل مهاراته، سيكون في موقع أفضل بكثير ممن يراهن على أن ما كان مطلوباً بالأمس سيبقى ضرورياً غداً. المادة مستندة إلى تقرير تحليلي حول مستقبل سوق العمل وتأثير الذكاء الاصطناعي والأتمتة على المهن، مع أمثلة قطاعية من مجالات الصحة، والتكنولوجيا، والإعلام، والاقتصاد الإبداعي، وفقاً لموقع إسبريسو.
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
