الاقتصاد بعد الجغرافيا السياسية.. كيف تكسب الدول دون أن تنحاز؟

في عالمٍ يتسارع فيه الاستقطاب الدولي، لم تعد الجغرافيا السياسية مجرد خلفية للصراع، بل أصبحت محدِّداً مباشراً لمسارات الاقتصاد والاستثمار. الحرب في أوكرانيا، التنافس الأميركي-الصيني، اضطرابات سلاسل الإمداد، والعقوبات المتبادلة، كلها أعادت رسم خريطة المخاطر العالمية وغيّرت طريقة تفكير الدول والشركات في آنٍ واحد. غير أن المفارقة الكبرى أن بعض الدول لم تخسر في هذا المشهد المنقسم، بل ربحت أكثر من غيرها، ليس لأنها انحازت إلى محور ضد آخر، بل لأنها اختارت إدارة الحياد بوصفه استراتيجية اقتصادية واعية. هنا يبرز مفهوم الحياد الاستراتيجي، لا باعتباره موقفاً سياسياً سلبياً أو تردداً في اتخاذ القرار، بل كخيار سيادي نشط يهدف إلى تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر في بيئة دولية شديدة التقلب. فالاقتصاد بعد الجغرافيا السياسية لم يعد يكافئ الدول التي ترفع شعارات كبرى أو تتبنى مواقف صدامية، بل تلك التي تُتقن فن التوازن وتفهم أن إدارة العلاقات أهم من إعلان المواقف. تقليدياً، كان يُنظر إلى الحياد على أنه ضعف أو هروب من المسؤولية. أما اليوم، فقد تحوّل إلى أداة اقتصادية متقدمة تتيح للدول الحفاظ على علاقات واسعة مع أطراف متنافسة، وتوفير بيئة مستقرة لرأس المال العالمي، وتقليل كلفة التعرض للصدمات السياسية. في عالمٍ منقسم إلى كتل اقتصادية متنافسة، تصبح الدولة المحايدة جسراً بين هذه الكتل، لا ساحة لتصفية الحسابات بينها. اقتصادياً، ينعكس هذا التحول بوضوح في حركة رؤوس الأموال. فبحسب تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2024، باتت تدفقات الاستثمار العالمية أكثر حساسية لعوامل الاستقرار السياسي وجودة المؤسسات، وأقل ارتباطًا بمعدلات النمو النظرية وحدها. المستثمرون اليوم لا يسألون فقط عن حجم العائد المتوقع، بل عن مستوى المخاطر الجيوسياسية، واحتمالات التعرض للعقوبات، وقدرة الدولة على الحفاظ على سياسات متسقة في بيئة دولية مضطربة. وبعبارة أخرى، أصبحت قابلية التنبؤ السياسي أصلًا اقتصاديًا بحد ذاته. في هذا السياق، تبرز دول الخليج كنموذج عملي لكيفية تحويل الحياد إلى ميزة تنافسية. فبدل الانخراط في محاور متصارعة، تبنّت هذه الدول سياسات خارجية واقتصادية تقوم على تنويع الشراكات، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع الشرق والغرب في آن واحد. هذا التموضع الوسيط لم يمنحها فقط هامش حركة سياسي، بل خلق لها موقعاً اقتصادياً متقدماً، انعكس في قدرتها على استقطاب الشركات متعددة الجنسيات، والتحول إلى مراكز مالية ولوجستية، واستضافة سلاسل إمداد تبحث عن بيئات مستقرة خارج دوائر الصراع.

غير أن الحياد الاستراتيجي لا ينجح بالشعارات ولا بالخطاب العام وحده. إنه يتطلب بنية مؤسسية قوية تحمي القرار الاقتصادي من التقلبات السياسية، وتضمن استمرارية السياسات العامة بغض النظر عن تغير السياق الدولي. فالدولة التي لا تمتلك مؤسسات راسخة وقواعد واضحة للحوكمة، ستجد نفسها عاجزة عن مقاومة ضغوط المحاور، حتى لو أعلنت حيادها رسميًا. كما يتطلب هذا النهج تنويعاً اقتصادياً حقيقياً يقلل الاعتماد على قطاع واحد أو سوق واحدة. ففي عالم يتزايد فيه استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي، يصبح التنويع أداة تحصين سيادي بامتياز، لا مجرد خيار تنموي. الدول التي تعتمد على مصدر دخل واحد أو شريك تجاري واحد تكون أكثر عرضة للابتزاز، وأقل قدرة على المناورة عندما تتغير موازين القوى. إلى جانب ذلك، تلعب الدبلوماسية الاقتصادية دوراً محورياً في إنجاح الحياد. فالعلاقات المتوازنة لا تُدار بالخطابات العامة، بل ببناء مصالح متشابكة طويلة الأمد تجعل تكلفة الإضرار بهذه العلاقات مرتفعة على جميع الأطراف. عندما تصبح الدولة جزءًا لا غنى عنه في سلاسل القيمة، أو عقدة لوجستية أساسية، أو منصة مالية إقليمية، فإن حيادها يتحول من خيار سياسي إلى ضرورة اقتصادية للآخرين. ومع دخول العالم مرحلة ما يمكن وصفه بـ«اللايقين المزمن»، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد وتُعاد تسعير المخاطر بشكل مستمر، تزداد أهمية هذا النموذج. فالدول التي ستكسب في العقد المقبل ليست الأكثر انحيازًا أو الأكثر صخبًا في مواقفها، بل الأكثر قدرة على قراءة التحولات والتكيّف معها دون الوقوع في أسرها. القوة في هذا العالم لم تعد تعني الاصطفاف خلف محور بعينه، بل امتلاك القدرة على العمل مع الجميع دون أن تتحول إلى أداة بيد أحد. في المحصلة، لم يعد السؤال المطروح: مع من تقف الدول؟ بل: كيف تقف دون أن تُدفع إلى السقوط؟ الاقتصاد بعد الجغرافيا السياسية يكافئ الدول التي تفهم أن النفوذ الحديث لا يُبنى على الانحياز، بل على إدارة التوازن، وأن الحياد، إذا أُحسن تصميمه وتنفيذه، قد يكون في عالمٍ منقسم.. الخيار الأكثر ربحاً. تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 9 دقائق
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 11 دقيقة
قناة العربية - الأسواق منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 13 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 دقائق
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 7 ساعات