الأزمة لا تتوقف عند الأرقام.. ماذا يحدث فعلاً حين تعجز الحكومات عن السداد؟

لا يحدث الإفلاس السيادي بضربة واحدة، بل يتسلّل ببطء إلى حياة الناس، فجأة يصبح الخبز نادراً، والعملة أضعف، والمدخرات مهددة، من قصور الملوك في أوروبا القديمة إلى أزمات الدول الحديثة، تعلّم التاريخ درساً قاسياً، حين تنفد أموال الدولة، لا تتوقف الأزمة عند الأرقام، بل تمتد إلى الشارع. من الترف إلى الانهيار.. سريلانكا نموذجاً لم تولد أزمة سريلانكا بين ليلة وضحاها، سنوات من الإنفاق المفرط، وخفض الضرائب على نطاق واسع، وتراكم الديون، خاصة للصين، أنهكت المالية العامة. ثم جاء وباء كوفيد-19، فتلاشت السياحة وجفّت احتياطيات النقد الأجنبي، ومع نفاد الخيارات، لجأت الحكومة إلى طباعة النقود، فكانت النتيجة تضخماً متسارعاً ودفع نحو نصف مليون شخص إلى الفقر، مهدداً مكاسب تنموية استغرقت سنوات.

هل تفلس الدول فعلاً؟ رغم شيوع المصطلح، الدول لا تفلس بالمعنى القانوني، ما يحدث هو التخلف عن السداد، أي الامتناع عن دفع الديون في موعدها، الدولة لا تُصفّى ولا تُصادر أصولها السيادية داخل حدودها، لكنها تدفع ثمناً اقتصادياً وسياسياً باهظاً. كيف تتكوّن الديون السيادية؟ تموّل الحكومات نفقاتها عادة عبر الضرائب والعوائد الاستثمارية، وعندما لا تكفي، تلجأ إلى الاقتراض عبر إصدار السندات، هنا تتراكم الديون السيادية، سواء داخلية مستحقة لمواطنين وبنوك محلية، أو خارجية مقوّمة بعملات أجنبية ومملوكة لمستثمرين دوليين، وهي الأخطر لأن سدادها يتطلب عملة صعبة لا يمكن طباعتها. الداخلي أسهل.. والخارجي أشد قسوة يمكن إدارة الدين الداخلي برفع الضرائب أو التوسع النقدي، ولو بكلفة تضخمية. أما الدين الخارجي، فيسحب الموارد من الاستثمار والخدمات الأساسية، ويقيد القرار الاقتصادي، ويجعل الدولة رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. التخلف عن السداد.. شائع أكثر مما نعتقد على عكس الانطباع العام، معظم دول العالم تعثرت أو أعادت هيكلة ديونها مرة واحدة على الأقل، اليونان كانت أول دولة تتخلف عن السداد في التاريخ عام 377 قبل الميلاد، ومنذ استقلالها الحديث قضت قرابة نصف تاريخها في حالة تعثّر، أما إسبانيا فتحمل الرقم القياسي بـ15 تخلفاً عن السداد بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. الملاذ الأخير.. صندوق النقد الدولي قبل الوصول إلى التعثر، تلجأ دول كثيرة إلى صندوق النقد الدولي طلباً للإنقاذ، لكن القروض لا تأتي بلا مقابل، فبرامج الصندوق غالباً ما تفرض خفض الإنفاق، وتعويم العملة، وفتح الأسواق، وهي وصفة تُعرف بتوافق واشنطن، تحمل كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة. ماذا يحدث بعد التخلف؟ لا يفقد البلد أصوله فوراً، لكن الثقة تتبخر، قد تُصادر أصول سيادية خارجية، كما حدث عندما احتُجزت سفينة تدريب بحرية أرجنتينية في غانا بعد تعثر بوينس آيرس، وغالباً تبدأ مفاوضات شاقة لإعادة هيكلة الديون، عبر تأجيل السداد أو شطب جزء منها، فيما يُعرف بقصّ الشعر. الأثر الحقيقي.. الناس والبنوك التخلف عن السداد يضرب البنوك المحلية التي تحمل جزءاً كبيراً من الدين، ويشعل مخاوف المودعين، فتندلع عمليات سحب جماعي، هنا تفرض الحكومات قيوداً على السحوبات وتحويل الأموال، اليونان عام 2015 مثال على ذلك، حين أغلقت البنوك لنحو 20 يوماً وحددت السحب اليومي بـ50 يورو. من أزمة ديون إلى أزمة شاملة غالباً لا تقف الأزمة عند الدين، العملة تضعف، والتضخم يرتفع، والبطالة تتسع، والاستثمار يهرب، ومع تدهور التصنيف الائتماني تُغلق أبواب الأسواق العالمية أو تُفتح بأسعار فائدة خانقة، ما يجعل التعافي طويلاً ومكلفاً. التخلف عن السداد ليس حدثاً مالياً عابراً، بل نقطة تحوّل تعيد رسم العلاقة بين الدولة ومواطنيها والأسواق. التاريخ يثبت أن الأزمة قد تكون أداة لإعادة الضبط، لكنها دائماً تأتي بثمن اجتماعي واقتصادي ثقيل، تدفعه الفئات الأضعف أولاً، وفقاً لتحيلات من الإيكونوميست وبي بي سي.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ 7 ساعات