اقتصاد اليابان 2026.. معركة دقيقة بين التضخم والأجور

بين أسعار تتباطأ بصعوبة وأجور تحاول اللحاق بها، يدخل الاقتصاد الياباني عام 2026 وهو يسير على حبل مشدود، صانعو السياسات في طوكيو يواجهون معادلة شديدة الحساسية بين كبح التضخم من جهة، والحفاظ على سوق عمل نشطة ونمو في الأجور من جهة أخرى، في وقت تظهر فيه مؤشرات واضحة على تباطؤ الزخم الاقتصادي بعد عام مضطرب. تباطؤ بدأ في 2025 أنهى الاقتصاد الياباني عام 2025 على نغمة ضعيفة، بعدما انكمش بمعدل سنوي بلغ 2.3% بين الربعين الثاني والثالث من العام. كان السبب الرئيسي اتساع العجز التجاري، مع تراجع الصادرات إلى أميركا خلال مفاوضات خفض الرسوم الجمركية. أكثر من نصف هذا الانكماش جاء من صافي الصادرات وتراجع المخزونات، فيما أظهرت بقية مكونات الاقتصاد إشارات وهن واضحة.

تراجع الاستثمار الثابت للشركات بنسبة 0.8%، والإنفاق الحكومي انخفض 0.3%، بينما لم يتجاوز نمو الاستهلاك الأسري 0.3% على أساس سنوي.

عززت هذه الصورة قناعة صناع القرار بأن النمو يتباطأ بالفعل، وهو ما دفع الحكومة إلى تبني حزمة تحفيز مالي كبيرة. أقرت الحكومة اليابانية حزمة إنفاق جديدة بقيمة 17.7 تريليون ين، أي ما يزيد على 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بهدف تخفيف ضغوط الأسعار على الأسر والشركات، عبر دعم فواتير الطاقة والأجور. لكن هذا التوسع المالي يأتي في الاتجاه المعاكس تماماً لما يحاول بنك اليابان تحقيقه على صعيد السياسة النقدية. بنك اليابان يشدد.. لكن بحذر

في ديسمبر كانون الأول، رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 0.75%، وهو أعلى مستوى منذ 30 عاماً. أوضح محافظ البنك كازو أويدا أن هذا المستوى لا يزال دون الحد الأدنى لما يعتبره البنك سعراً محايداً للفائدة، ما يعني أن الباب لا يزال مفتوحاً لمزيد من الرفع، ورغم أن البنك لم يعلن رسمياً عن النطاق المحايد، فإن ورقة بحثية صادرة عنه في 2024 قدرت هذا النطاق بين 1% و2.5%.

ورغم هذه الإشارات، يتوقع أن يكون مسار التشديد بطيئاً، التقديرات تشير إلى رفع جديد محتمل في منتصف 2026، ما لم يتعرض الين لموجة ضعف حادة تدفع البنك للتحرك مبكراً. بدأ التداخل بين السياسة المالية التوسعية والنقدية المتشددة ينعكس بوضوح على سوق السندات. تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات 2.3% في يناير كانون الثاني، للمرة الأولى منذ 1998. المفارقة أن الين واصل التراجع أمام الدولار منذ أكتوبر/تشرين الأول، رغم ارتفاع الفائدة، في إشارة إلى أن الأسواق قلقة من اتساع العجز المالي أكثر من ترحيبها بالتشديد النقدي.

التضخم: الصورة أقل خطورة مما تبدو رغم أن التضخم الرئيسي بلغ 2.9% في نوفمبر تشرين الثاني، متجاوزاً هدف البنك البالغ 2%، فإن الارتفاع يتركز بشكل أساسي في الغذاء والطاقة. ارتفعت أسعار الوقود والكهرباء والمياه 3.1%، فيما سجل تضخم الغذاء والمشروبات 6%، في المقابل، التضخم الأساسي وفق المقياس الغربي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، استقر عند 1.6%.

الأهم أن ضغوط الأسعار بدأت تتراجع تدريجياً، انخفض تضخم الغذاء من 7.4% في يوليو إلى 6% في نوفمبر، بينما يُتوقع أن تهدأ أسعار الطاقة مع تراجع خام برنت إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل في ديسمبر كانون الأول، معظم بنود التضخم الأخرى، مثل الإسكان والرعاية الصحية والتعليم، بقيت دون 2%. سوق العمل قوي.. لكن الشقوق بدأت تظهر حتى الآن، سوق العمل الياباني ما زال متماسكاً. ارتفع التوظيف غير الزراعي 0.9% على أساس سنوي في نوفمبر تشرين الثاني، ومعدل البطالة استقر عند 2.6% للشهر الرابع على التوالي. تسارعت الأجور الاسمية إلى 2.2%، واتحاد رينغو العمالي يطالب بزيادة 5% في مفاوضات ربيع 2026، بعد أن نجح العام الماضي في تحقيق زيادة تجاوزت 5.25%.

لكن هذه القوة قد لا تدوم. تضغط القيود التجارية الأميركية الجديدة على أرباح المصدرين، والمنافسة الصينية الشرسة تضع شركات السيارات تحت ضغط متزايد. ومع تراجع عدد الوظائف الشاغرة، قد يصبح أرباب العمل أكثر تحفظاً في منح زيادات سخية. وحتى مع ارتفاع الأجور الاسمية، لا تزال الأجور الحقيقية أقل بنسبة 2.8% مقارنة بالعام الماضي.

المصانع أكثر تفاؤلاً.. مؤقتاً ارتفع مؤشر تانكان لثقة الشركات الصناعية إلى 15 في الربع الأخير من 2025، وهو أعلى مستوى منذ 2018، مدفوعاً خصوصاً بتحسن أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. أعطى خفض الرسوم الأميركية من 25% إلى 15% دفعة مؤقتة، وارتفعت الصادرات إلى أميركا 8.8% في نوفمبر تشرين الثاني بعد سبعة أشهر من التراجع.

لكن هذا الزخم قد يكون قصير الأجل، تباطأت الصادرات إلى الصين وهونغ كونغ إلى 1% فقط، مقارنة بأكثر من 10% قبل شهرين، في ظل تباطؤ الاقتصاد الصيني وتصاعد التوترات الجيوسياسية. نظرة 2026: تباطؤ حتمي.. والسؤال عن حجمه تشيرالتوقعات إلى تباطؤ معتدل في النمو خلال 2026، لكن شدته ستعتمد على مدى نجاح اليابان في إدارة التوازن الدقيق بين التحفيز المالي والتشديد النقدي. المهمة ليست سهلة، إذ إن التضخم تقوده عوامل عرض خارجة عن سيطرة البنك المركزي، بينما التحفيز المالي يهدد بإعادة إشعال الضغوط السعرية وإثارة مخاوف الدين العام. في هذا المشهد، يبقى الاقتصاد الياباني أمام اختبار دقيق، عنوانه الأساسي كيف تهدئ الأسعار من دون أن تخنق النمو.

مصدر هذا التقرير هو ديلويت وبنك اليابان ومصادر أخرى.


هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من منصة CNN الاقتصادية

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 20 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 3 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ 18 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات