الذكاء الاصطناعي وتكلفة الطاقة.. من يربح سباق الاقتصاد العالمي الجديد؟

يشهد العالم اليوم سباقاً محموماً نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد مقتصرًا على التفوق التكنولوجي فقط، بل امتد ليشمل أبعادا اقتصادية وسياسية واستراتيجية عميقة. فمع التوسع الهائل في استخدام النماذج الذكية ومراكز البيانات العملاقة، برزت الطاقة بوصفها المورد الخفي الذي قد يحدد مستقبل هذا السباق العالمي.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، لتسلط الضوء على العلاقة المتشابكة بين الذكاء الاصطناعي وتكلفة الطاقة، معتبرًا أن القدرة على إنتاج الذكاء الاصطناعي بكلفة منخفضة قد تصبح العامل الفاصل في تحديد قوة الاقتصادات والدول خلال السنوات المقبلة.

ففي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2026، قدّم ناديلا رؤى استراتيجية عن كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لعوامل القوة الاقتصادية العالمية، مؤكداً أن القدرة على الإنتاج الرخيص للطاقة وتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يصبح العامل الحاسم في منافسة الدول والشركات في المستقبل القريب.

الذكاء الاصطناعي والاقتصاد

وقال ناديلا إن ما يحدث في مجال الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سباق على التقنيات، بل تحول شامل في طبيعة الأسواق. وفق تصريحاته، الوحدات الأساسية أو الرموز (Tokens) الخاصة بالذكاء الاصطناعي أصبحت سلعة اقتصادية جديدة، بدورها ستحدد نمو الناتج المحلي الإجمالي لأي بلد بمدى نجاحه في تحويل هذه الرموز إلى نمو اقتصادي حقيقي.

كما أشار أيضاً إلى أن الدول التي تنتج طاقة بتكلفة منخفضة وتستطيع بناء بنى تحتية ضخمة لمعالجة الذكاء الاصطناعي ستكون في موقع الفوز في هذا السباق. وأضاف أن التحول الاقتصادي لن يعتمد فقط على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، وإنما على قدرة الحكومات والشركات على تأمين الطاقة الرخيصة اللازمة لتشغيلها.

تعكس هذه الرؤية تحولاً جذرياً مقارنة بالعقود الماضية، حيث كانت الموارد الطبيعية مثل النفط أو المواد الخام تحدد القوة الاقتصادية للدول، بينما يُنظر اليوم إلى البيانات والطاقة ومعالجة الذكاء الاصطناعي كعوامل محورية في قيادة الاقتصاد العالمي.

كابل الألياف الضوئية، وهو نوع من كابلات الشبكات التي تنقل البيانات باستخدام نبضات الضوء.

الطاقة.. المورد الحاسم في سباق الذكاء الاصطناعي

إلى ذلك، أوضح ناديلا أن تكلفة الطاقة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي تُعد واحدة من العوامل الأساسية التي ستحدد الدول الفائزة في السباق التكنولوجي. وعبّر عن ذلك بقوله إن تكلفة الطاقة للوحدة الواحدة من العمل الحسابي (Token) ستؤثر بشكل مباشر على العائد الاقتصادي للدول في المستقبل.

هذه التصريحات تأتي بالتوازي مع تقارير مستقلة تُظهر أن مراكز البيانات العالمية استهلكت مستويات هائلة من الكهرباء في الأعوام الماضية، وأن انتشارها يتزايد بسرعة مع نمو الطلب على الذكاء الاصطناعي، مما يجعل الطاقة والثورة الرقمية مترابطين ارتباطاً وثيقاً.

من جهة أخرى، واجهت أوروبا، على سبيل المثال، ارتفاعاً في تكلفة الطاقة نتيجة لأحداث جيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا وسلسلة العقوبات الاقتصادية المتتابعة، مما جعل قدرة بعض الدول على منافسة الآخرين في هذا المجال أصعب.

ليست فقط تكلفة الطاقة هي محور حديث ناديلا، بل أيضاً كيف سيُستخدم الذكاء الاصطناعي. جاء في تصريحاته أنه إذا اقتصر الاستفادة من الذكاء الاصطناعي على الشركات التقنية الكبرى فقط، فقد يكون ما نشهده مجرد فقاعة اقتصادية، لكن إذا انتقل هذا الاستخدام إلى قطاعات واسعة مثل الصحة والتعليم والتصنيع، فإن الذكاء الاصطناعي سيحقق تأثيراً حقيقياً في النمو الاقتصادي العالمي.

بمعنى آخر، نجاح الذكاء الاصطناعي لن يُقاس فقط بسرعته أو ذكائه، بل بمدى انتشاره في حل مشكلات واقعية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأكد ناديلا أنه استخدم المساعد الذكي (Copilot) من «مايكروسوفت» في التحضير لخطابه، واعتبر ذلك مثالاً على كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية.

استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنى التحتية

لتلبية الطلب العالمي المتزايد على معالجة بيانات الذكاء الاصطناعي، تقوم الشركات الضخمة مثل «مايكروسوفت» باستثمارات طموحة في بناء مراكز بيانات ضخمة في أنحاء متعددة من العالم. ومن المتوقع أن تتجاوز هذه الاستثمارات عشرات مليارات الدولارات خلال السنوات القليلة القادمة، بهدف زيادة قدرات الحوسبة وتخفيض تكلفة الطاقة لكل وحدة عمل حسابي.

تجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لتقارير متعددة، تستثمر «مايكروسوفت» وحدها مبالغ ضخمة في بناء هذه البنى التحتية، مما يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية ترفيهية لشركات التكنولوجيا، بل جزء أساسي من البنية التحتية الاقتصادية العالمية.

تعكس رؤية «مايكروسوفت» فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي تحوّلاً جوهرياً في كيفية فهمنا للتكنولوجيا وأثرها على القوة الاقتصادية. فبينما كان النفط والموارد الطبيعية في الماضي يقودان التنافس الدولي، أصبحت اليوم البيانات والطاقة ومعالجة الذكاء الاصطناعي عوامل محورية تحدد هوية الاقتصاد المستقبلي.

لكن هذا التحول لا يخلو من التحديات، فتكاليف الطاقة، وتوزيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، والتكاليف الاجتماعية المرتبطة بالتنفيذ الواسع للتقنية، كلها عوامل ستكون محوراً في تحديد من سيكون الرابح الحقيقي في هذا السباق العالمي الجديد.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
منصة CNN الاقتصادية منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ 59 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة العربية - الأسواق منذ 47 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 3 ساعات