حتى الآن، يبدو أن السعوديين وصلوا إلى مرحلة العجز حيال تشكيل الحكومة اليمنية.. وللمرة الأولى تعجز الرياض عن فرض رؤيتها للتشكيلة الحكومية. لم يعد القفز إلى الأمام مجديا، وأصبح التفكير في شكل الحكومة القادمة، وفكرة استيعاب الجنوبيين، محدودا ومأزوماً.
جماعة الإخوان التي كانت تمثل الذراع الطولى في الحرب السعودية الأخيرة على الجنوب باتت اليوم تضع شروطها على الرياض بشأن شكل الحكومة والمحاصصة، خصوصا في الحقائب السياسية، في حين أن تفكير الرياض بات أبعد من مكافأة الإخوان، وأقرب إلى محاولة تقليص حضورهم.
في النهاية، ستكتب الأطراف الإخوانية شكل الحكومة، وسترضخ السعودية لسياسة الابتزاز التي يمارسها الإخوان منذ عقدين. وحتى اللحظة، نجح الإخوان المسلمون في فرض شروط مسبقة، رغم أن بعض الأصوات ترفض توصيف ما يجري بما بات يُروَّج له في الإعلام السعودي تحت مسمى "الابتزاز بالقضية الجنوبية".
لا أرى في ذلك أي نوع من أنواع الابتزاز المرتبط بالقضية الجنوبية، لكنني أرى بوضوح ابتزازاً إخوانياً مباشراً تمارسه الجماعة تجاه الرياض. ما تخشاه السعودية من الإخوان يفوق ما تخشاه من الحوثيين. وقد يبدو هذا منطقياً من زاوية أن الإخوان يشكلون ذراعاً سعودية في اليمن، غير أن تلبية جميع مطالبهم تُقرأ سعودياً بوصفها رضوخا لحليف لا يجيد سوى الاتكالية على الآخرين.
ثلاثة أسابيع مضت على تقديم الحكومة استقالتها، وحتى في قرار الاستقالة لم يُمدَّد للوزراء بتسيير أعمال الوزارات إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وكأن الجميع أُبلغوا أنهم أصبحوا وزراء سابقين. عمليا، من يدير المشهد اليوم هو فلاح الشهراني وفريقه السعودي، وفي غياب ذلك لا توجد سلطة يمنية حقيقية.
ما حدث في الجنوب يشبه إلى حد كبير الدور الذي لعبه صدام حسين بعد سيطرته على الكويت في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وسواء تشكّلت الحكومة أم تعثّرت، فإن الحاكم العسكري السعودي هو من يدير كل شيء، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي. رشاد العليمي ليس سوى صورة أخرى للحكم الصوري.
قد يكون من مصلحة الجنوب المحرَّر والمديريات اليمنية المحرَّرة عدم تشكيل أي حكومة جديدة. فالحاكم العسكري فلاح الشهراني يمتلك فريقًا يقوم فعليًا بمهام وزارات الدفاع والداخلية والسلطات المحلية التنفيذية، أما الخارجية، فقد بات السفير محمد آل جابر هو من يستقبل ويودّع السفراء المعتمدين لدى اليمن، وكأنه رئيس دولة لا سفيراً.
قد يبدو هذا الطرح صادماً، لكن الحقيقة أن الجنوب المحرَّر والمديريات اليمنية الخارجة عن سيطرة الحوثيين تُدار اليوم بوصاية سعودية مفرطة، لكنها في جوهرها متوقعة، بل وربما مطلوبة في هذه المرحلة. فالمطلوب عمليا هو تسليم إدارة هذه المناطق لسلطة سعودية حقيقية، ووضع الرياض أمام أمر واقع يجعلها تتحمّل مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه المواطنين، ومسؤولية مكافحة الفساد الحكومي.
وبذلك، فإن أي إخفاق ستكون مسؤوليته مباشرة على السعودية، لا على حكومة لا تمثل الجنوب لا من قريب ولا من بعيد. أما وجود بعض الشخصيات في مجلس القيادة الرئاسي، فليس سوى حضور شكلي ضمن منظومة تُدار فعليًا تحت رئاسة منزوع القرار، يتحرك وفق الإملاءات والتوجهات السعودية.
في قاعدة بئر أحمد بالبريقة، غربي العاصمة عدن، يجلس الحاكم العسكري السعودي فلاح الشهراني على كرسي الإدارة الوصية. يستقبل يومياً شخصيات مختلفة؛ يقدّم نفسه للقيادات الأمنية والعسكرية باعتباره قائد القوات السعودية المشتركة والمسؤول الأمني، ويقدّم نفسه للشخصيات السياسية والإعلامية والاجتماعية كرجل تنموي، تماما كما يفعل السفير آل جابر: "جئنا لخدمة المجتمع".
وفي المساء، يوجّه بسحب قوات وإحلال أخرى مكانها، يعقد اجتماعات مع القيادات الأمنية والعسكرية، ثم يطلب منهم المغادرة إلى الرياض، ليعمل بهدوء وبعيداً عن أي ضجيج أو مساءلة حول جدوى إخراج قوات العمالقة واستبدالها بقوات "درع الوطن".
لو كنتُ من المحسوبين على القائد عبد الرحمن المحرمي، لكتبتُ للشهراني رسالة واحدة على واتساب: "لماذا تُخرج قوات المحرمي وتستبدلها بقوات العليمي؟"
ولأرفقتُ له رابط تقرير إخواني يحذّر السعودية من التعامل مع المحرمي باعتباره محسوباً على المجلس الانتقالي الجنوبي الذي سبق للرياض أن ضيّقت عليه.
يمضي الشهراني في رؤيته العسكرية والأمنية دون اكتراث بالسؤال المركزي: هل يدفع نحو صدام بين المحرمي والعليمي، أم يسعى لتفكيك قوة المحرمي لصالح العليمي؟ وفي الحالتين، سيكون على المحرمي أن ينتقل من مسار معالجة "القضية الجنوبية" إلى مسار البحث عن شراكة مع رشاد العليمي، الذي يقدّمه السعوديون باعتباره الحاكم الفعلي، بينما هو في الواقع أداة قابلة للطرق والسحب وفق رؤية سعودية، تهدف إلى إنتاج نموذج وصاية يشبه تجربة الاحتلال العراقي للكويت، لكن بصورة أعمق وأطول زمناً.
#صالح_أبوعوذل
من صفحة الكاتب على فيس بوك
هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن
