لماذا ينمو الاستثمار النفطي في الشرق الأوسط بينما ينكمش عالمياً؟. الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد يضيفان نحو 20 مليار برميل مكافئ نفطي حتى ثلاثينيات القرن الحالي.. الإمارات والسعودية تقودان التوسع النفطي مع تطوير الحقول البحرية والغازية الكبرى.. حقل «زاكوم العلوي» الإماراتي ومشروع «الجافورة» السعودي يعززان الطاقة والإنتاج طويل الأمد.. ليبيا تطلق أول جولة عطاءات منذ 17 عاماً تشمل 22 رقعة برية وبحرية.. العراق يربط إنتاج البصرة بميناء الدقم في سلطنة عُمان لزيادة الوصول للأسواق الآسيوية.. الكويت تطور حقل «النوخذة» باحتياطات 2.1 مليار برميل نفط و5.1 تريليون قدم مكعبة غاز.. الغاز الطبيعي يوازن بين التصدير والاستهلاك المحلي ويعزز أمن الطاقة الإقليمي.. حتى 2030، المنطقة توسع طاقتها الإنتاجية مع دمج الطاقة المتجددة والهيدروجين وتقنيات

يشهد الاستثمار العالمي في قطاع الطاقة تحوّلاً هيكلياً متسارعاً، مع تسريع دول الشرق الأوسط لوتيرة استكشاف النفط والغاز في وقت يشهد فيه الإنفاق تراجعاً في مناطق أخرى من العالم.

وتواصل شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط تنفيذ برامج تطوير واسعة النطاق، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج، وجودة المكامن، وقوة البنية التحتية، والدعم الحكومي المباشر، ما يمكّنها من الحفاظ على زخم الاستثمار حتى في ظل بيئات تسعير عالمية متحفظة تضغط على إنفاق الشركات الدولية.

ويرى محلّلون أن هذا التباين يعكس إعادة تشكيل أعمق في أسواق الطاقة العالمية، حيث تعمل دول الشرق الأوسط على ترسيخ موقعها كمورّد طويل الأجل يتمتع بمرونة عالية عبر دورات السوق المختلفة.

بعد قمة الطاقة.. ليبيا تعيد ترتيب قطاع النفط عبر شراكات طويلة الأمد

توظيف استراتيجي لرأس المال

تركّز استراتيجيات الاستثمار في المنطقة بشكل متزايد على تعظيم القيمة طويلة الأجل بدلاً من السعي وراء عوائد قصيرة الأجل. وتشير تقديرات شركة «وود ماكنزي» (Wood Mackenzie) إلى أن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد يضيفان نحو 20 مليار برميل مكافئ نفطي عبر جولات التراخيص والعقود الممتدة حتى ثلاثينيات القرن الحالي، في وقت يشهد فيه الاستثمار العالمي في المنبع انكماشاً ملحوظاً.

ويجري توجيه هذه الاستثمارات نحو تعزيز معدلات الاستخلاص، وتطوير الحقول البحرية، وتنفيذ مشروعات غير تقليدية مختارة، إلى جانب التوسع في البنية التحتية الداعمة للإنتاج والتصدير. كما أصبحت متطلبات الامتثال البيئي, بما في ذلك خفض انبعاثات الميثان ودمج تقنيات احتجاز الكربون, عنصراً هيكلياً في قرارات الاستثمار، وليس مجرد التزام تنظيمي.

وتدعم هذه المقاربة قدرة المنتجين الإقليميين على الحفاظ على الجدوى الاقتصادية للمشروعات في بيئات أسعار منخفضة، مع تحسين الكفاءة التشغيلية وإطالة العمر الإنتاجي للأصول.

الإمارات والسعودية محركا إعادة التموضع

تقود الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مرحلة متقدمة من إعادة التموضع الاستثماري في قطاع المنبع، مستفيدة من مزايا هيكلية تتيح لهما مواصلة التوسع في وقت يتراجع فيه الاستثمار العالمي. ويعكس هذا المسار اعتماد نماذج تطوير متمايزة لكنها متكاملة، تجمع بين التوسع في الإنتاج، وتعزيز أمن الطاقة، وبناء أطر تمويل وبنية تحتية طويلة الأجل.

في هذا السياق، تواصل دولة الإمارات تعزيز استثماراتها في المنبع من خلال تطوير الحقول البحرية الكبرى، وفي مقدمتها حقل «زاكوم العلوي»، ضمن خطط تطوير مرحلية تستهدف رفع الطاقة الإنتاجية وتحسين كفاءة التشغيل. ويتكامل ذلك مع توسع دور الغاز الطبيعي في مزيج الطاقة، مدفوعاً بمشروعات الغاز الطبيعي المسال التي تهدف إلى ترسيخ مكانة الدولة كمورد موثوق للأسواق الآسيوية والأوروبية عبر عقود توريد طويلة الأجل.

في المقابل، تمضي السعودية في تنفيذ مسار توسع تقوده مشاريع الغاز، وعلى رأسها مشروع «الجافورة»، الذي يُعد ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة المحلي وتقليل الاعتماد على النفط الخام في توليد الكهرباء والقطاع الصناعي. ويواكب هذا التوجه اعتماد نماذج تمويل مبتكرة لتطوير أصول المعالجة والبنية التحتية، ما يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية مع الحفاظ على السيطرة الوطنية على الموارد.

وعلى امتداد هذا المسار، تدعم الاكتشافات الجديدة للنفط والغاز التي أُعلن عنها خلال عام 2025 في كلا البلدين توسيع القاعدة الاحتياطية، بما يعزز القدرة على التخطيط طويل الأجل واستدامة الإنتاج.

إحدى المنشآت النفطية التابعة للشركة الكويتية للبترول، 22 مارس 2022

تسارع مبادرات التوسع إقليمياً

إلى جانب الإمارات والسعودية، تتقدم دول أخرى في المنطقة بمبادرات تطوير بارزة. فقد أطلقت «المؤسسة الوطنية للنفط» في ليبيا أول جولة عطاءات للاستكشاف منذ 17 عاماً في مارس 2025، شملت 22 رقعة برية وبحرية، في خطوة تعكس عودة تدريجية إلى أسواق الطاقة العالمية بعد سنوات من عدم الاستقرار السياسي. وتسعى ليبيا إلى رفع إنتاجها إلى نحو مليوني برميل يومياً، وهو مستوى قريب من طاقتها قبل عام 2011.

أما العراق، فيعتمد نهجاً يركز على تنويع مسارات التصدير عبر توسيع البنية التحتية، حيث يمثل مشروع «خط أنابيب البصرة الدقم» خطوة استراتيجية لربط الإنتاج الجنوبي بـ«ميناء الدقم» في سلطنة عمان، بما يقلل الاعتماد على المسارات التقليدية ويعزز الوصول إلى الأسواق الآسيوية.

وفي الكويت، يتواصل تطوير الحقول البحرية عقب اكتشاف حقل «النوخذة» التابع لشركة «نفط الكويت»، والذي يُقدّر باحتوائه على 2.1 مليار برميل من النفط الخفيف و5.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. ويبرز الاكتشاف استمرار جاذبية المناطق المنتجة الناضجة عند دعمها بتقنيات استكشاف متقدمة، مع توقعات بتعزيز القدرات التشغيلية الإقليمية.

الغاز الطبيعي وأمن الطاقة

يلعب الغاز الطبيعي دوراً محورياً في الاستراتيجيات الإقليمية، إذ تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن بين عائدات التصدير وتعزيز أمن الطاقة المحلي. ويجري توجيه الغاز بشكل متزايد لتوليد الكهرباء، بهدف تحرير كميات أكبر من النفط الخام للتصدير، مع تلبية الطلب المتنامي الناتج عن النمو السكاني والتوسع الصناعي وانتشار مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المقابل، تواجه الدول المنتجة تحديات متزايدة في إدارة التوازن بين صادرات الغاز الطبيعي المسال والاستهلاك المحلي، إضافة إلى الاستخدامات الناشئة مثل إنتاج الهيدروجين. كما تتطلب التقلبات الموسمية في الطلب، ولا سيما ذروة الأحمال خلال أشهر الصيف، تخطيطاً دقيقاً لضمان مرونة الإمدادات واستمراريتها.

تطور نماذج الشراكات الاستثمارية

تسعى شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط إلى تنويع شراكاتها الدولية لتقليل الاعتماد على علاقات استثمارية أحادية، وتعزيز الوصول إلى التقنيات المتقدمة. وتشهد الشراكات مع الشركات الأوروبية والأميركية توسعاً في مجالات تطوير الغاز، والبنية التحتية، ومشروعات خفض الانبعاثات، بما يكمل أنماط التعاون التقليدية في قطاع المنبع.

وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومات على تحسين الأطر التنظيمية وشروط التعاقد وعمليات الطرح، بما يعزز جاذبية الاستثمار ويوازن بين متطلبات جذب رأس المال والحفاظ على السيطرة الاستراتيجية على الموارد الوطنية.

«إيني» تطلق وحدة «التطوير الصناعي» لتعزيز إنتاج طاقة خالية من الكربون

ديناميكيات السوق وتقييم المخاطر

رغم المزايا التنافسية الكبيرة التي تتمتع بها المنطقة من حيث التكاليف، تبقى خطط التوسع مرتبطة بتوازنات العرض والطلب العالمية. ويُنظر إلى تنسيق جداول التطوير بين الدول المنتجة كعامل أساسي لتفادي فائض المعروض وتقلبات الأسعار، خصوصاً في ظل مؤشرات تراجع الإنتاج في مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة.

ولا يزال الاستقرار السياسي عاملاً محورياً في قرارات الاستثمار، إذ يواصل المستثمرون تقييم مخاطر الأطر التنظيمية، وضمانات العقود، ومستويات الأمن التشغيلي عند الدخول في مشروعات طويلة الأجل.

آفاق مستقبلية

حتى عام 2030، يُتوقع أن تواصل دول الشرق الأوسط توسيع طاقاتها الإنتاجية بالتوازي مع دمج اعتبارات التحول في مجال الطاقة. ويجري تنسيق الاستثمارات في الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتقنيات خفض الانبعاثات مع تطوير النفط والغاز، بما يدعم نهجاً انتقالياً تدريجياً بدلاً من تحولات حادة.

ومع استمرار تطور أسواق الطاقة العالمية، يبقى استكشاف النفط والغاز في الشرق الأوسط عنصراً محورياً في أمن الإمدادات العالمية، مدعوماً باستثمارات استراتيجية، وقدرة تشغيلية عالية، ورؤية طويلة الأمد تعزز الموقع التنافسي للمنطقة في منظومة الطاقة الدولية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 44 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
فوربس الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 33 دقيقة
إرم بزنس منذ 16 ساعة