الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة في ظل اختلال التوازن الدولي

الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة في ظل اختلال التوازن الدولي

أ. د محمد طاقة

شهد النظام الدولي خلال العقود الثلاثة الاخيرة تحولات جوهرية، اعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، ونهاية الثنائية القطبية، حيث دخل العالم مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة.

غير أن هذه الهيمنة لم تدم طويلاً بصورتها التقليدية. اذ بدأت مؤشرات التآكل البنيوي بالظهور نتيجة الازمات الاقتصادية المتكررة، وصعود قوى دولية منافسة، وتراجع القدرة الامريكية على فرض ارادتها بالقوة الصلبة وحدها في هذا السياق تبرز اهمية دراسة الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة في ظل اختلال متزايد في التوازن الدولي، لفهم طبيعة التحول من الهيمنة المباشرة الى ادارة الصراعات والفوضى وتأثير ذلك على استقرار النظام الدولي ودول الاطراف.

يقصد باختلال التوازن الدولي، حالة عدم التناسق في توزيع القوة بين الفاعلين الدوليين، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي او التكنولوجي. فبينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق عسكري واضح، فان قدرتها على التحكم بالاقتصاد العالمي وبالقرار السياسي الدولي باتت موضع تحد متزايد.

وقد افرز هذا الاختلال نظاماً دولياً هجيناً، لا هو احادي القطبية المستقرة، ولا هو متعدد الاقطاب المنظم بل هو اقرب الى حالة انتقالية تتسم بالصراع، وعدم اليقين وكثرة الأزمات الاقليمية.

ولكن بعد انهيار جدار برلين في 9/11/1989 الذي كان يمثل رمزاً للانقسام الأيديولوجي في الحرب الباردة وسقوطه، مهد لتفكيك المنظومة الاشتراكية في اوروبا الشرقية وانهيار الاتحاد السوفيتي رسمياً في 26/12/1991 حيث تم انهاء القطبية الثنائية وكرس الهيمنة القطبية الامريكية في النظام الدولي.

فجاءت الفرصة التاريخية لأمريكا كي تنفرد بالعالم وهي فرصة لن تتكرر كون امريكا تمتلك جميع المقومات لتنفرد بالعالم، من خلال القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية دون وجود من ينافسها على الاطلاق حيث دخل العالم مرحلة الهيمنة الشبة مطلقة ولكن مع مرور الزمن، أي خلال الثلاثين سنة الأخيرة، بدأت مؤشرات التآكل البنيوي بالظهور نتيجة الازمات الاقتصادية المتكررة وصعود قوى دولية منافسة لأمريكا.

وعلى هذا الاساس تتحدد الاستراتيجية الامريكية الحديثة (المعاصرة) بمجوعة من العوامل الداخلية والخارجية. مما حدى بالولايات المتحدة الأمريكية. إلى اعادة صياغة اولوياتها الاستراتيجية بعيداً عن التدخلات العسكرية المكلفة، نحو ادوات اقل كلفة واكثر تأثيراً.

ومن هنا برزت أهمية اختيار السيد دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة من قبل الشركات العملاقة كونه رجل اعمال من الطراز الاول ولديه الامكانية لمعالجة الازمات الاقتصادية والاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الامريكي ويواجه التحديات الخارجية.

ومن اهم الازمات الداخلية التي يعاني منها الاقتصاد الامريكي وفي مقدمتها:

اولا: ارتفاع الدين العام

حيث وصل الدين العالم الكلي حوالي (38) ترليون دولار او أكثر من ذلك بقليل. وهو رقم قياسي جديد في تاريخ أمريكا، هذا الرقم يشمل كل الديون التي على الحكومة:

1- ديون داخلية ((تقترض من الامريكيين أو مؤسسات داخل البلاد أو من الاحتياطي الفدرالي، وهو يشكل أكثر من (70 ٪) من اجمالي الدين)).

2- ديون خارجية :( تقترض من جهات او حكومات اجنبية عبر بيع سندات الولايات المتحدة) وهذه الديون تشكل من ٢٠ - ٢٥٪ من اجمالي الدين الأمريكي.

أما بالنسبة للدول التي تمتلك سندات الخزانة الامريكية هي:

اليابان 1،1 ترليون دولار

الصين 0،8 ترليون دولار

بريطانيا 0،9 ترليون دولار

السعودية 134،4ملیار دولار

ثانياً: يعاني الاقتصاد الامريكي من مشاكل التضخم والبطالة وهي من اخطر التحديات الداخلية، والارقام الاتية تبين نسية البطالة والتضخم للسنوات من 2023 2025

السنة البطالة ٪ التضخم ٪

2023 3،8 4،1

2024 4،1 2،9

2025 4،4 2،5

رغم الزيادة الطفيفة في سنة (2024-2025) فان معدل البطالة في امريكا يعتبر عند مستويات منخفظة نسبياً مقارنه بالأزمات الاقتصادية الكبرى مثل الركود الكبير عام 2008 او جائحة كورونا، كما نلاحظ انخفاض نسبة التضخم للأعوام الثلاثة.

وفي السياق نفسه كان على أمريكا أن تعمل من منع. ظهور قوى تحاول ان تنافسها على ما هي عليه، وتخلق حالة التوازن المطلوبة، ومن هذه القوى كل من الصين التي بدأ صعودها الاقتصادي والتكنلوجي تمثل التحدي الاكبر لأمريكا وكذلك أوربا الموحدة بعملتها واقتصادها القوي وروسيا وريثة الاتحاد السوفيتية والتي اصبحت تمثل تهديداً سياسياً وعسكرياً.

كل ذلك مما دفع امريكا الى اعادة صياغة اولوياتها الاستراتيجية متجنبة التدخلات العسكرية المباشرة بعد أن فشلت تجاربها في العراق وأفغانستان، تولدت قناعة جديدة مفادها أن الاحتلال العسكري المباشر لم يعد اداة فعالة لتحقيق الهيمنة وعليه بدأ التحول في العقيدة الأمريكية من الهيمنة المباشرة الى ادارة الفوضى، أي الانتقال من الاحتلال العسكري المباشر الى الحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية وتفجير التناقضات الداخلية للدول والفوضى الخلاقة واعادة انتاجها بأدوات جديدة، فضلاً عن استخدام الاقتصاد كسلاح استراتيجي، أي استخدام الأمور الاقتصادية والتجارية لمواجهة الصين ومحورها وأروبا، من خلال استخدام الدولار كسلاح سياسي والعقوبات الاقتصادية كبديل عن الحرب والتحكم بسلاسل التوريد والطاقة. والغذاء واستخدام دور المؤسسات الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) في تكريس التبعية ويهدف هذا التحول الى ابقاء الخصوم. في حالة إنهاك دائم دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.

ورغم تقليص التدخل المباشر، لم تتراجع أمريكا عن استخدام القوة العسكرية، بل اعادت توزيعها، عبرشبكة واسعة من القواعد والتحالفات. كما ركزت على تطوير أدوات الحرب غير التقليدية، مثل حرب السيبريانية والفضاء، والتكنولوجيا المتقدمة، ما يعكس تحولاً نوعياً في مفهوم الردع والسيطرة بالإضافة الى الدور الذي تلعبه المنظومة الاعلامية الغربية، دوراً محورياً في شرعنه السياسات الامريكية، من خلال اعادة انتاج خطاب الديمقراطية وحقوق الانسان بشكل انتقائي - وتبرير التدخلات الخارجية وشيطنة الخصوم. ويعد هذا البعد أحد أخطر ادوات الهيمنة الناعمة في العصر الحديث.

إذا أصبح الاقتصاد أحد اهم ادوات النفوذ الأمريكي، كاستخدام استخدام الدولار كعملة قائدة وكنظام ضبط عالمي - وتوظف العقوبات. الاقتصادية لإخضاع الدول الخارجة عن الإرادة الامريكية. أن امريكا تسعى إلى استمرار اختلال التوازن الدولي لصالحها وصالح مشروعها الكوني والسيطرة على منابع الطاقة (النفط والغاز) وعلى الموارد المعدنية النادرة لأهميتها في الصناعات الاستراتيجية وعلى هذا الاساس كان شعار ترامب ((إذا لم احصل على ما اريد بالسلم فأحصل عليه بالقوة)).

أن جميع الاجراءات التي اتخذها ترامب منذ تولية رئاسة أمريكا للمرة الثانية وصرح بها، هي موجهة إلى كل من الصين ومحورها روسيا وأوربا. والذين لديهم الامكانية لخلق حالة التوازن الدولي. ومن أجل الهيمنة على الاقتصاد العالمي والتحكم به من خلال الشركات الرأسمالية العملاقة والشركات العابرة للقارات والتي تغلغلت في اقتصاديات اكثرية دول العالم ومنها الصين وروسيا وأوربا.

وفي هذا السياق ظهرت أهمية الهيمنة على منابع النفط والغاز النفط الذي يعتبر الشريان الذي تعتمد عليه الصناعة في العالم في سواء في الصين واوريا على وجه التحديد. وتم اعتبار مصادر الطاقة (النفط والغاز)، ذات اهمية قصوى في الاستراتيجية الامريكية الجديدة، وذات مساس بالأمن القومي الامريكي، منطلقين من مقولة كيسنجر (الذي يهيمن على النفط يهيمن على الامم)، فالهيمنة على مصادر الطاقة. تعتبر من اساسيات الاستراتيجية الامريكية المعاصرة، باعتبار من يسيطر على الطاقة ومصادرها يسيطر على العالم وهي وسيلة فعالة لخنق اقتصاديات الصين وأوروبا واليابان.

ومن هنا برزت أهمية نفط كل من (العراق، وإيران، وفنزويلا والسعودية)، كون هذه الدول الاربعة تمتلك احتياطيات نفطية هائلة، هي تمثل (59%) من احتياطيات نفط العالم أي اكثر من نصف الاحتياطيات، ومقسمة على النحو الاتي:

الرقم البلد الاحتياطي مليار برميل نسبة الاحتياطي

1 فنزويلا 303 مليار برميل 20% احتياطي ضخم وكلفة انتاج منخفض

2 السعودية 276 مليار برميل 16% لاعب رئيسي ومؤثر على الأسعار

3 ايران 209 مليار برميل 14% احتياطي مهم لكن العقوبات

4 العراق 145 مليار برميل 9% مصدر مهم وركيزة للتصدير

المجموع 933 مليار برميل 59% اكثر من صنف احتياطات

أما الارقام الاتية التي تبين الاستيرادات اليومية لكل من الصين وأوريا واليابان والمصادر الرئيسية لتصدير النفط ونسبتها من الاستهلاك العالمي. هذا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 9 ساعات
قناة السومرية منذ 55 دقيقة
كوردستان 24 منذ 12 ساعة
قناة السومرية منذ 23 ساعة
قناة السومرية منذ 7 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
الغد برس منذ 11 ساعة
قناة السومرية منذ 8 ساعات