من «أطلال» أم كلثوم إلى أغاني الدقيقتين. هل تقلّصت مدة الأغنية العربية تحت تأثير السوشال ميديا ومنصات الاستماع؟. نرصد كيف تحوّل الطرب الطويل إلى هوك سريع يخطف الانتباه في الثواني الأولى.. التفاصيل الكاملة عبر موقعنا، وشاركونا رأيكم.

في زمن الموسيقى الرقمية وفيديوهات مواقع التواصل الاجتماعي، لاحظنا في الآونة الأخيرة أن مدة الأغاني شهدت تقلص ملحوظ، فبعض الأغاني لا تتجاوز مدتها الدقيقتين لكنها تحقق نسب استماع عالية وتنتشر على المنصات.

يعود هذا القصر إلى ظاهرة أوسع وأعمق، تتعلق بانكماش الأغنية العربية وتحوّلها إلى نسخ مُكثفة ومختصرة من الأعمال التقليدية. بهاء سلطان طرح أغنية "صحبي يا صحبي" التي لم تتجاوز الدقيقتين وربع، فيما وصلت أغنية نانسي "يا قلبو" إلى دقيقتين ونصف فقط، وغيرهم الكثير من الفنانين من مختلف المشاهد. ما يطرح سؤال: هل أصبح الحد الوسطي لطول الأغنية في المنطقة العربية قاب قوسين أو أدنى من دقيقتين؟

في هذا المقال، سنتتبع مسار طول الأغنية العربية عبر العقود، ونحلل التحول من الطرب الكلاسيكي إلى ما يُعرف بالأغنية السريعة، مستعرضين الأساليب الإنتاجية الجديدة، وآليات صناعة الموسيقى الرقمية، وتأثيرها على بنية الأغنية، وعلى طريقة استجابة الجمهور لها في عصر الاستهلاك الفوري والموسيقى القصيرة.

جذور الانكماش: تحولات الإنتاج السريع لفهم سبب هذا التحول في بنية الأغنية العربية وظهور الأغاني القصيرة والهوك المنتشر، من المفيد أولًا العودة إلى جذور الأغنية العربية الكلاسيكية ورحلة طولها وتطورها عبر العقود. في منتصف القرن العشرين، كانت الأغنية العربية تجربة موسيقية شاملة وطويلة، تختلف جذريًا عن الشكل المختصر الذي نعرفه اليوم.

اشتهرت أم كلثوم بأداء أغانٍ طويلة ومعقدة، غالبًا ما تمتد لأكثر من ساعة في الحفلات الحية، كما في أغنية "إنت عمري"، التي تمنح المستمع رحلة موسيقية غنية تبدأ بمقدمة موسيقية طويلة، مرورًا بالتفريد الصوتي والتكرار اللحني، وصولًا إلى الارتجالات التي تبرز مهارات صوت أم كلثوم وتفاعل الفرقة الموسيقية المكونة من خط طويل من العازفين مع العود والكمان والناي والقانون.

لكن مع ظهور عبد الحليم حافظ على أعتاب الخمسينيات، بدأت الأغنية العربية تأخذ شكلًا أكثر توازنًا، محتفظة بالطابع العاطفي والطربي، لكن مع اختصار بعض المساحات الموسيقية لتصبح أكثر قابلية للبث والإنتاج التجاري، مما مهّد الطريق لاحقًا للأغاني المتوسطة الطول في الستينيات والسبعينيات.

x مع بداية الستينيات والسبعينيات، فرضت أسطوانات 45 دورة في الدقيقة والراديو التجاري قيودًا زمنية على طول الأغاني، فظهرت أغاني متوسطة الطول أكثر قابلية للبث والاستماع المنزلي، محتفظة بروح الطرب. سيطرت في هذه الفترة على المشهد الموسيقي في بلاد الشام، الأغاني التي تتراوح مدتها بين 3 و6 دقائق مع مقدّمات موسيقية واضحة وتفريد صوتي متدرّج، كما يظهر في أعمال فيروز. بينما حافظ بعض الفنانين مثل وديع الصافي وصباح فخري على أداء أطول في الحفلات والمهرجانات، التي أتاحت المجال للارتجالات والمواويل.

شكل دخول صناعة الكاسيت تحولًا كبيرًا الثمانينات، فقد سهل على المنتجين والفنانين تسجيل ألبومات كاملة ونقلها مباشرة إلى المستمع في المنزل، لكنه فرض أيضًا قيودًا جديدة على طول الأغاني لكل شريط، ليصل معدل الأغنية عادة بين 3 و5 دقائق.

x طول أغاني البوب: من الكليبات الطويلة إلى ثواني الذهبية عند تتبع ألبومات نانسي عجرم خلال العقدين الأخيرين، يظهر بوضوح التحول في بنية الأغنية في البوب العربي. تميز ألبومها الأخير "نانسي 11" بأغاني قصيرة، معظمها بين دقيقتين ونصف وثلاث دقائق ونصف، مع تراكيب موسيقية سريعة الانتقال ومقاطع متكررة تجذب المستمع مباشرة. بالمقابل، ألبومها "يا طبطب ودلع" الصادر عام 2006 تضمن أغاني أطول تجاوزت الأربع دقائق، ووصلت إحدى الأغاني "قول هنساكي" إلى حوالي ست دقائق.

x هذا التباين بين الألبومات يكشف عن تحولات البوب العربي وصناعته: من أسلوب أكثر امتدادًا يسمح بالبناء الموسيقي التدريجي، إلى أسلوب قصير ومكثف يركّز على جاذبية فورية، مع إبقاء الأغنية قابلة للتكرار والاستماع السريع. كما يمكن اعتبار هذه التغيرات مؤشراً على كيفية تكيف الصناعة مع جمهور اليوم الذي يستهلك الموسيقى بطريقة أكثر سرعة وتفاعلية، دون الحاجة إلى الالتزام بالبنية الطويلة للأغاني السابقة.

هذا التحول لم يكن محصورًا مع نانسي، فحتى إليسا وأصالة في بداية الألفية كانت أغانيهم غالبًا أطول من الأغاني الحالية، وهو ما كان مرتبطًا بدور الكليبات. في تلك الفترة، شكّل الجانب البصري جزءًا أساسيًا من جاذبية الأغنية، ولم يكن غريبًا أن تخرج بعض الأغاني بنُسخ ممدودة تتضمن مقدمات موسيقية أطول، لتتيح لمشاهد الكليب سرد قصة درامية كاملة. كما حدث في كليب "كيفك انت" لـ آدم، حيث أضيفت دقيقة إضافية على الموسيقى لخدمة السرد البصري.

x قبل أسابيع قليلة، أطلقت هيفاء وهبي أغنيتها الجديدة "بدنا نروق"، التي لم يمضِ وقت طويل حتى دخلت قوائم بيبلورد العربية، محققة نسب استماع قياسية وتحولت إلى حديث منصات التواصل الاجتماعي. ما يثير الانتباه في هذه الأغنية ليس شعبيتها فقط، بل قصر مدتها الذي لم يتجاوز الدقيقتين، وهو أمر نادر في تاريخ الأغنية العربية الحديثة.

اليوم، اختلف الموضوع مع منصات الاستماع الرقمية، أصبح معيار تسجيل الاستماع يعتمد على مدة محددة: على الأغنية أن تُستمع لثلاثين ثانية على الأقل حتى يُحسب الاستماع لصالح الفنان في اللوغ الرقمي الخاص به. إذا توقف المستمع قبل ذلك، لا يُحتسب الاستماع، مهما كانت الأغنية جذابة. أعاد هذا النظام ترتيب أولويات الفنانين والمنتجين: لم تعد مساحة الأغنية الكلية هي الأهم، بل القدرة على جذب المستمع خلال الثواني الثلاثين الأولى.

كما أن هذه الظاهرة مع تأثير المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على استهلاك الموسيقى. إذ تشجع الفيديوهات القصيرة والميمات الموسيقية المستهلكين على الأغاني التي يمكن تكرارها بسهولة، بينما تقل فرص انتشار الأغاني الطويلة بين جمهور يتنقل سريعًا بين المحتوى. على سبيل المثال، الأغاني التي تحقق انتشارًا واسعًا على تيك توك غالبًا ما تكون قصيرة، مع كورَس جذاب يُسمع منذ اللحظة الأولى.

الأغنية القصيرة أم الهوك الجذاب: معادلة البوب الترندي حتى في ظل ظاهرة الأغاني القصيرة، يظل بعض الفنانين يحافظون على طول الأغنية التقليدي، لكنه أصبح غالبًا متوسطًا بين ثلاث وثلاث دقائق ونصف. على سبيل المثال، أغنية "هيجيلي موجوع" لتامر عاشور احتفظت بمتوسط ثلاث دقائق ونصف، وكذلك أغاني الجيل الجديد مثل "خطية" لـ بيسان. أما بعض نجوم البوب، مثل عمرو دياب في أغنية "خطفوني"، فقد تجاوزت مدتها الأربع دقائق، لكنها تميزت بالتركيز على الهوك أو الكورس الجذاب الذي كررته ابنته جنى دياب، ليصبح مركز الأغنية وجاذبيتها الأساسية.

x أصبح الهوك عنصرًا أساسيًا في تصميم الأغاني الحديثة، ليس فقط لأنه لافت للمستمع، بل لأنه يتماشى مع طبيعة الاستهلاك الرقمي للموسيقى. تسمح منصات مثل تيك توك وإنستغرام لمقاطع قصيرة بالانتشار بشكل واسع عبر خاصية الريلز، حتى قبل أن يستمع الجمهور للأغنية بالكامل، ما يجعل قدرة هذا المقطع على جذب الانتباه الفوري أهم من طول الأغنية الكلي.

تتوافق هذه الظاهرة مع ما يعرف بـ Attention Span، أي مدى تركيز المستمع، حيث يلتقط جمهور اليوم الأغنية بشكل مبتور، غالبًا ما يركز على المقاطع الأكثر جاذبية ويهمل البقية. لذلك، أصبح الهوك هو المحدد الرئيسي لنجاحها وانتشارها، سواء كانت قصيرة أو طويلة، إذ يكفي مقطع واحد لينتشر ويحقق نسب استماع ومشاركة عالية على المنصات الرقمية.

x لكن للمفارقة، ما تغيّر اليوم أنه حتى في أعماق الطرب الكلاسيكي، حين تصل أغاني أم كلثوم إلى أربعين دقيقة، نجد على منصات مثل يوتيوب مقاطع مستقلة تُستخلص من الأغنية الكاملة، تحمل روحًا مستقلة وتحقق انتشارًا واسعًا. ما يكشف لنا أن الجمهور يطلب دومًا الـ "هوك" ويبحث عن اللحظات الموسيقية الأكثر جاذبية والفورية، مهما كان طول العمل الأصلي.

لذا يمكن القول إن انكماش مدة الأغنية العربية يجعلنا نفهم بشكل أفضل كيف يعيد المستمع العربي ترتيب علاقته بالموسيقى. فهو من جعل الهوك والكورس محور الأغنية، ليواكب أسلوب حياة جديد، حيث تنتقل الفكرة بسرعة وتتجسد العاطفة في لحظات مركزة يمكن تكرارها واستعادتها مرارًا.

في عالم أصبحت فيه كل ثانية موسيقية قابلة للانفجار الرقمي، هل سيبقى للأغنية العربية القدرة على خلق تجربة مشتركة وذكريات جماعية، أم أن كل لحظة ستتحول إلى استهلاك فوري منفصل؟


هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بيلبورد عربية

منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 5 دقائق
موقع سائح منذ 21 ساعة
موقع سائح منذ 9 ساعات
العلم منذ 38 دقيقة
مجموعة نون العلمية منذ 4 ساعات
العلم منذ 7 ساعات
موقع سائح منذ 10 ساعات
موقع سائح منذ 4 ساعات
موقع سائح منذ 7 ساعات