انتشرت موجة من الجلسات التي تُسوَّق تحت مسمى «التخلّص من الصدمات»، غير أن تحقيق «عكاظ» يكشف أن ما يجري فعلياً استغلال تجاري يقدّم الوهم في صورة علاج.
هذه الجلسات التي باتت تظهر في العيادات الخاصة ومنصات التواصل تعتمد على عبارات فضفاضة مثل «تحرير الألم العالق»، و«تفريغ الشحنات»، وتُباع الجلسة بأسعار خيالية تصل إلى 590 ريالاً للساعة، رغم أنها تُمارَس خارج أي إطار علمي أو إشراف مهني، ويقدّمها أشخاص لا يمتلكون مؤهلات علاجية معتمدة.
في جولة ميدانية لـ«عكاظ» داخل إحدى العيادات، التي تروّج لما يسمى «علاج الصدمات بالبكاء»، تبيّن أن الجلسات تقوم على طقوس جسدية وتمارين تنفس تأملي تُقدَّم بديلاً عن العلاج النفسي الحقيقي، مع ترك «الجسد يحرّر ما يشاء» دون أي تشخيص أو تقييم مهني.
وتُعرف هذه الجلسات شعبياً باسم «جلسات البكاء» أو «التفريغ العاطفي»، وتُقدَّم كطريق مختصر للتعافي من التجارب المؤلمة، رغم افتقارها لأي أساس علمي معتمد.
تحقيق «عكاظ» يكشف مخاطر نفسية ومهنية تحيط بهذه الممارسات، خصوصاً أنها تستهدف أشخاصاً في حالة هشاشة، ما يحوّل معاناتهم إلى فرصة ربحية في غياب الرقابة والمعايير العلمية.
ويحذّر مختصون في علم النفس والاجتماع من خطورة تحويل الألم الإنساني إلى «سلعة» تُباع وتُشترى، مؤكدين أن هذا النهج يفتح الباب أمام ممارسات تفتقر إلى المهنية، وتتجاوزها إلى ما هو غير أخلاقي، خصوصاً عندما تُقدَّم في قالب وعود بالشفاء التام تستهدف أشخاصاً يمرّون بأضعف لحظاتهم.
وطبقاً للخبراء، لا تُعد هذه الجلسات علاجاً؛ لأنها بلا أي معنى علمي، بل تقوم على استثمار المعاناة وتحويلها إلى مصدر ربح، في ظل غياب الرقابة والمعايير التي يفترض أن تحمي الأفراد من الوقوع في فخ «العلاج الزائف».
العلاج بـ «الصدمة»! «عكاظ» طرحت الأمر على مختصين في علم النفس والاجتماع، فأكدوا أن تحويل الألم الإنساني إلى «منتج» قابل للبيع قد يفتح الباب أمام ممارسات غير مهنية، خصوصاً حين تُغلف بوعود شفاء مطلقة تستهدف أشخاصاً في لحظات ضعف.
وراوحت آراء الجمهور بين الرفض التام لفكرة جلسات البكاء وبين القبول، وترى الدكتورة ظافرة القحطاني أن البكاء هو وسيلة للتفريغ النفسي ومريح للقلب. فيما رأت فاطمة الزهراني أن المنصات التي تدعي علاج الصدمات مجرد استغلال لحاجة الناس تحت مسمى العلاج.
فيما أكد الأخصائي الاجتماعي الدكتور ماجد مطر الهذلي، أن البكاء والتفريغ العاطفي ليسا علاجاً نفسياً، فهما استجابتان طبيعيتان قد تمنحان شعوراً بالارتياح، ولا يعالجان الصدمة بمعناها العلاجي، فالعلاج المعتمد للصدمة يستند إلى تدخلات منظمة مثل العلاج المعرفي السلوكي الموجّه للصدمة أو علاج EMDR، وهي نماذج تتضمن تقييماً تشخيصياً دقيقاً، وتنظيماً للانفعالات، ومعالجة تدريجية للذكريات الصدمية تحت إشراف مختص مرخّص.
ويشير الهذلي إلى أن الإشكال لا يكمن في التعبير عن المشاعر، بل في تقديم التفريغ العاطفي علاجاً شافياً دون إطار علمي. فالأبحاث تُظهر أن التدخلات غير المنظمة، التي تعتمد على استدعاء المشاعر أو سرد الصدمة دون أدوات احتواء أو إشراف مهني، قد تُعيد تنشيط التجربة الصدمية وتزيد من حدّة الأعراض مثل القلق والاكتئاب والكوابيس، بدل أن تخففها.
انفعال لحظي وفي رأي الهذلي، تزداد المخاطر عندما تُقدَّم هذه الجلسات من غير مختصين، إذ يغيب التقييم العلمي، وتُهمل الاضطرابات المصاحبة وعوامل الخطورة مثل الاكتئاب الشديد أو الأفكار الانتحارية، فضلاً عن غياب خطط المتابعة أو إدارة الحالات الطارئة. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول الجلسة من ممارسة غير مفيدة إلى ممارسة ضارة تؤخر الوصول إلى علاج فعّال.
ومن منظور آخر، يرى الهذلي أن تسويق هذه الجلسات بوعود الشفاء وبأسعار مبالغ فيها، يُعد استغلالاً لمعاناة الأفراد، مؤكداً أن العلاج النفسي الحقيقي يُقاس بقدرته على إحداث تغيير مستدام قائم على العلم والمسؤولية المهنية، لا على الانفعال اللحظي.
ويختتم قائلاً: إن جلسات البكاء قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها ليست علاجاً معتمداً للصدمة، وأن أي ممارسة تتجاوز الأطر العلمية والأخلاقية تبقى خارج حدود العلاج النفسي المسؤول.
فتح المشاعر العميقة من زاوية اجتماعية تشير الأخصائية الاجتماعية الدكتورة لطيفة الحمد، إلى أن انتشار جلسات «التخلص من الصدمات» عبر التفريغ العاطفي يعكس حاجة إنسانية للتعبير، لكن الخطورة تبدأ عندما يُقدَّم هذا الأسلوب على أنه علاج نفسي، فالتفريغ العاطفي قد يكون أداة مساندة ضمن تدخل علاجي متكامل، لكنه لا يعالج الصدمة ولا يعيد تنظيم التجربة النفسية كما تفعل العلاجات المتخصصة، فالفرق الجوهري أن العلاج المهني يقوم على الفهم وإعادة البناء ودمج التجربة، بينما يظل التفريغ مجرد تخفيف مؤقت للتوتر.
وتوضِّح مخاطر هذا العلاج قائلة: تتمثّل الخطورة في فتح مشاعر عميقة دون أدوات احتواء، مما قد يُعيد تنشيط الصدمة. كما يؤدي غياب التقييم المهني إلى الخلط بين الحزن الطبيعي واضطرابات الصدمة أو التفكك، وقد يخلق اعتماداً نفسياً على راحة مؤقتة تؤخر العلاج الحقيقي.
وترى الدكتورة الحمد أن تسويق هذا العلاج مقابل مبالغ مالية في كثير من الآحيان يُعد استغلالاً، خصوصاً عندما تُسوَّق الجلسات بوعود شفاء غير مبنية على دليل، مما يحوّل الألم الإنساني إلى سلعة ويستغل هشاشة الأفراد.
وتضيف قائلة: تسهم هذه الظاهرة في نشر ثقافة الحلول السريعة غير العلمية، وتوسيع دائرة الممارسات غير المهنية، واختزال المعاناة في مسؤولية فردية بدل النظر إلى أبعادها النفسية والاجتماعية.
تفريغ عاطفي تدعو الأخصائية الاجتماعية الدكتورة لطيفة الحمد إلى وضع التفريغ العاطفي في سياقه الصحيح من خلال: عدم تقديمه علاجاً مستقلاً، وتعزيز الوعي بالفرق بين الدعم النفسي-الاجتماعي والعلاج المتخصص، والتأكيد على دور الأسرة والمجتمع داعماً لا بديلاً عن المختص، وإحالة الحالات الصدمية إلى مختصين مرخّصين.
وتؤكد، أن الدعم الاجتماعي عنصر مهم، لكنه ليس علاجاً، بل جزء من منظومة تدخل مهني متكامل.
وتضيف الأخصائية الاجتماعية شماء محمد الدوسري لـ«عكاظ»: إن جلسات البكاء والتفريغ العاطفي تُعد مكملة للعلاج لبعض الحالات النفسية، إذ تساعد «المريض» على التخلص من الضغط والتوتر الذي يعيق استقرار حالته النفسية، إلا أنها لا تُعد علاجاً نهائياً، ولا يمكن الاعتماد عليها بشكل كلي، بل يجب أن تكون جزءاً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ
