لم تكن «السيادة الوطنية» سوى مصطلح يتردد صداه داخل قاعات محاضرات العلوم السياسية، إلى أن أعاده الرئيس دونالد ترمب إلى واجهة المشهد العالمي عبر سلسلة من التحركات المثيرة للجدل، شملت ملفات فنزويلا وإيران وغرينلاند، وغيرها من القضايا التي تصدرت العناوين العريضة.
أما اليوم، فقد بات هذا المفهوم حجر الزاوية في السجالات ذات الصلة بالقانون الدولي، ومستقبل النظام العالمي، والضرورة الملحّة لتحقيق السلم والاستقرار. ولا يقتصر الهجوم على مبدأ السيادة على سياسات ترمب فحسب، وإنما يمتد ليشمل تيارات داخلية في مجتمعات عدة، بما في ذلك بعض الديمقراطيات الغربية.
لكن، وقبل المضي في تحليل تلك التهديدات، حري بنا أن نستذكر الدلالة الجوهرية للسيادة؛ فهي تعني القوة أو السلطة التي تملك «الكلمة الفصل» في الشؤون الإنسانية كافة، بل وفي مصير الكون بأسره، وفقاً لبعض المعتقدات الدينية. ففي العالم القديم، وتحديداً في حضارات بلاد الرافدين الأولى، كان «الملك الكاهن» هو من يجسد هذه السيادة.
أما في «دول المدن» اليونانية القديمة، فقد طالبت النخبة المعروفة بـ«الديموس» بالسيادة، وهي فئة كانت تُميز بوضوح عن العبيد والأقليات العرقية والطبقات الدنيا أو ما كان يُعرف بـ«العامة». وفي أوج عظمة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، كانت السيادة حكراً على الإمبراطور وحده. ومع حلول العصور الوسطى، انتقلت هذه الوظيفة السيادية إلى «البابا» في العالم المسيحي، وإلى «الخليفة» في بلاد الإسلام.
بيد أن حركة «الإصلاح الديني» وما صاحبها من تراجع لمكانة البابا، أغرقت العالم المسيحي في أتون حروب طائفية ممتدة، استمرت بشكل أو بآخر لأكثر من قرن من الزمان.
ولم تكن «دار الإسلام» بمنأى عن هذا المخاض، إذ تشرذمت هي الأخرى إلى سلطنات وإمارات وخانات، فضلاً عن مناطق حدودية قاحلة غاب عنها الحكم المنظم، حيث كانت السيادة فيها تؤول لمن يمتلك القوة والمال لفرض إرادته.
وفي القرن السابع عشر، اجتهدت نخب في العالم المسيحي لابتكار مفهوم «الدولة الوطنية»، وهو ما جرى تقنينه ضمن سلسلة من الاتفاقيات عُرفت بـ«صلح وستفاليا»؛ وبموجبها أصبحت السيادة ملكاً لمن يسيطر على إقليم جغرافي محدد يُعرف بـ«الأمة»، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو اللغة. وفي ظل هذه الأنظمة، كان الأفراد «رعايا» للنظام القائم وليسوا «مواطنين». وقد صوّر الفيلسوف «هوبز» السيادة على أنها «ليفياثان: وحش أسطوري جبار»؛ أي آلة أو كائن عظيم القدرة، يملك سلطة الحياة والموت على الجميع، لكنه في المقابل يمنحهم الأمان في مواجهة «قانون الغاب» القائم على البقاء للأقوى.
ومع اندلاع الثورتين الأميركية والفرنسية في القرن الثامن عشر، برز مفهوم «المواطنة» باعتباره اللبنة الأساسية للدولة الوطنية، حيث تُمارس السيادة من قِبل دولة مُنتخبة بالنيابة عن الأمة.
وعلى مدار القرنين الماضيين، وقع تبني هذا النموذج في كل دول العالم تقريباً، وإن كان ذلك بصور متفاوتة إلى حد بعيد. فحتى في الدول التي لا تشهد انتخابات، مثل الصين الشعبية أو كوريا الشمالية، يظل الافتراض القائم - أو الادعاء - بأن السيادة تعود للأمة مهما كان تعريفها غامضاً أو فضفاضاً. وقد جعل ميثاق الأمم المتحدة من هذا المبدأ، أو الادعاء، حجر الزاوية في القانون الدولي. وعلى هذا الأساس، تُعتبر الأمة ذات سيادة بصرف النظر عن موقعها الجغرافي، أو مساحتها، أو تعداد سكانها، أو دينها، أو هويتها، أو تاريخها، أو قوتها الاقتصادية أو بأسها العسكري؛ فهي المسؤولة وحدها عن تقرير مصيرها فوق إقليم جغرافي محدد وغير قابل للتجزئة. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، عدم قدرة الأمم المتحدة على قبول «أرض الصومال» (صوماليلاند) باعتبارها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
