عمون - يُعيد موسم الأمطار الحالي رسم مشهد الخريطة البيئية بتغيير ملامحها، لتتحول الأرض من حالة السكون إلى ورشة عمل طبيعية كبرى تروي عطش الغطاء النباتي وتعزز صمود التنوع الحيوي.
ولا يعد التدفق المطري السخي مجرد ريٍّ للتربة، بل يشكل إعلان استقلال للنظم البيئية عن سنوات الجفاف، وبداية لتعافٍ حقيقي يُنشط السلاسل الغذائية، ويمنح مشاريع التشجير الوطنية، كمبادرة "عشرة ملايين شجرة"، الزخم اللازم لتحويل المساحات القاحلة إلى رئات خضراء تنبض بالعطاء.
ويؤكد مختصون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) أن هذه الموجات المطرية سجلت عودةً لافتة لأنواع نباتية نادرة كانت قد توارت لسنوات، مما يفتح آفاقاً واعدة للاقتصاد الأخضر والسياحة البيئية؛ فبعيداً عن الأثر البيئي المباشر، تُؤسس هذه الأمطار لقاعدة أمن غذائي مستدام وتوازن حيوي فريد، حيث تُستثمر خدمات النظم الطبيعية "المجانية" في دعم التنمية المحلية، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص اقتصادية تُعزز مكانة الطبيعة كموردٍ استراتيجي لا ينضب.
وتراهن الدولة وهي تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على التنوع الحيوي، على استراتيجيات عميقة لمواجهة التغيرات المناخية، وإدارة المحميات الطبيعية وتنفيذ برامج للحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض، وحماية الغطاء النباتي المتنوع الذي يضم أكثر من 2500 نوع، إذ اعتمد الأردن استراتيجية وطنية وخطة عمل للتنوع الحيوي حتى عام 2050، وتهدف إلى استعادة وحماية 20% من النظم البيئية المتدهورة.
وفي هذا السياق، قال مساعد أمين عام وزارة المياه والري الناطق الإعلامي عمر سلامة، إن معدل الهطول المطري السنوي في المملكة يبلغ نحو 8.1 مليار متر مكعب سنوياً طويل الأمد، موضحا أنه تم تخزين ما نسبته 80% من الطاقة التخزينية في السدود الرئيسية خلال الموسم الحالي باستثناء سد الوحدة، فيما من المؤمل تحسن التخزين فيه مع نهاية الموسم وهي نسبة ممتازة في مثل هذا الوقت ومقارنة بالسنوات الماضية.
وأكد أن الموسم المطري الأخير من المواسم الممتازة، مبينا أنه سُجل حتى اليوم 72% من المعدل السنوي، مقارنةً بالعام الماضي في نفس الوقت الذي كان 12.8% فقط؛ مما سيكون له أثر على تحسين التغذية الجوفية بعد سنوات من نقص وتراجع معدلات الهطول. إضافة إلى أنه سجلت بعض المناطق نسب هطول مرتفعة؛ ففي محافظة الكرك 98% من المعدل السنوي، وفي محافظة العقبة نحو 199%، ومحافظة مادبا نحو 91%، وعجلون نحو 69%، والزرقاء 88 بالمئة والبلقاء 71 بالمئة، بينما في محافظة معان نحو 37 بالمئة وفي محافظة جرش لم تتجاوز نسبة الهطول السنوي 38.5 بالمئة، بحسب سلامة.
وقال إن الأردن من الدول ذات الكفاءة العالية في حصاد مياه الأمطار؛ فمساحة الأردن نحو 89 ألف كيلو متر مربع، غالبيتها أراضٍ صحراوية تشكل 92% من المساحة الكلية، ومن ثم فإن كميات الهطول فيها أقل من 200 ملم ولا يمكن حصادها بسبب ارتفاع التبخر.
وأشار إلى أن الوزارة/ سلطة وادي الأردن، وبالتعاون مع القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، ووزارة الزراعة والبيئة والجهات الأخرى، نفذت خلال السنوات الماضية أكثر من 630 سداً وحفيرة في مختلف المناطق الصحراوية بإجمالي سعة 150 مليون متر مكعب للاستفادة من أي فيضانات في هذه المناطق المملكة.
ولفت سلامة إلى وجود 16 سداً رئيسياً كبيراً بسعة 330 مليون متر مكعب، بالإضافة إلى الآبار التجميعية لمياه الأمطار والبرك الزراعية والوحدات الزراعية التي قد يصل معدل التخزين النهائي فيها إلى أكثر من 100 - 150 مليون متر مكعب، وهذا يعني أنه يتم حصاد وتخزين 70 إلى 80% من كميات المياه الممكن الحصول عليها في المناطق ذات وفرة الهطول المطري الأكثر من 200 ملم، مبينا أن هناك حزمة من مشاريع الحصاد والسدود خلال الفترة المقبلة.
كما يؤكد مدير مديرية الحراج في وزارة الزراعة، المهندس خالد المناصير، أن الأمطار التي شهدها هذا العام أسهمت بدور إيجابي بعد سنوات متتالية من الجفاف مرت على المملكة والمنطقة، تاركة آثاراً واضحة على أشجار الغابات تمثلت في الجفاف وانتشار الأمراض وظهور آفة الحفّار نتيجة انخفاض الرطوبة؛ مما سمح بدخول الحشرات وأدى إلى فقدان أعداد كبيرة من الأشجار الحرجية.
وأشار المناصير إلى أن الموسم المطري الحالي يُعد مبشراً، حيث بدأت المواقع التي عانت من إصابات أو جفاف تستعيد حيويتها، كما ساهمت الكميات المتساقطة من الأمطار في توفير بيئة ملائمة لعودة النباتات المفقودة والنادرة.
وأوضح أن السنوات الجافة الماضية حدت من ظهور التنوع الحيوي، لأن النباتات تحتاج إلى مناخ مناسب ورطوبة وكميات كافية من الأمطار لإكمال دورات حياتية سليمة وإنبات بذورها.
وبين أنه خلال الجولات الميدانية سُجلت عودة أنواع نباتية كانت مفقودة لعدة سنوات في مواسم مطيرة سابقة، إلا أن التذبذب في التساقط المطري يشكل عائقاً أمام استمرار هذه العودة ويؤثر على توفر البذور للمواسم المقبلة.
ولفت إلى أن الأمطار تؤثر كذلك على نجاح مشاريع التشجير والتحريج التي تنفذها الوزارة والمديرية، حيث تقلل فترات الجفاف الطويلة من فرص نجاة الشتلات المزروعة وترفع من تكاليف عمليات الصيانة والمتابعة.
وأضاف: تم تنفيذ جهود صيانة ناجحة لبعض الأنواع الشجرية الأصيلة في جنوب المملكة - مثل العرّعار والبلوط والبطم - من خلال تدخلات علمية لمقاومة الجفاف والأمراض، لكن استمرار الجفاف لفترات طويلة يبقى تهديداً قائماً لهذه الأنواع.
وتتابع وزارة الزراعة موسم الأمطار لوضع خارطة طريق لتقييم نتائج المشاريع التشجيرية واختيار مواقع مستقبلية لاستكمال عمليات التحريج ومبادرة "عشرة ملايين شجرة" التي أُطلقت قبل عامين، والتي تهدف إلى زراعة مليون شجرة سنوياً بنسب نجاح عالية.
وأكد أن التنوع الحيوي يمثل منظومة متكاملة، وأي خلل فيه - سواء في النباتات أو الحيوانات أو الطيور أو التربة - ينعكس مباشرة على صحة الغابات والنظام البيئي بأكمله، مما يجعل الحفاظ على التنوع الحيوي أمراً بالغ الأهمية.
وأشار إلى وجود شراكات فاعلة مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة والحديقة النباتية الملكية ووزارة البيئة لحماية التنوع الحيوي، كما توجد استراتيجيات معنية بالتنوع الحيوي والمراعي وقطاع الغابات.
وخلص إلى أنه من خلال مشاريع الحماية وتوفير المياه المعالجة، شهدت بعض المحميات عودة النباتات البرية والعطرية، مما يدل على أن البيئة لا تزال قادرة على التعافي، وأن المواسم المطريّة تلعب دوراً محورياً في حماية الغابات والحفاظ على التنوع الحيوي.
وتوقف الخبير البيئي مدير مركز مراقبة التنوع الحيوي في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة الدكتور نشأت حميدان حيال التأثير الإيجابي للموسم المطري الحالي على صحة النظام البيئي وبالتالي فائدة الإنسان، مشيرا إلى أن الهطولات المطرية في هذا الموسم تميزت بالانتظام النسبي والانتشار الجغرافي الواسع.
وأشار حميدان إلى أن الأثر البيئي لهذه الأمطار يبدأ من التربة، حيث تساهم كميات الهطول الجيدة والمتتابعة في إعادة ترطيبها بعمق، وتنشيط العمليات الفيزيائية داخلها، من تفكك الطبقات السطحية الصلبة إلى نقل المغذيات وتوزيعها.
وأضاف أن هذا الأثر الفيزيائي لا ينعكس فقط على خصوبة التربة، بل يسهم أيضًا في تنظيم المناخ المحلي، وخفض درجات الحرارة، والحد من الغبار، مما يهيئ بيئة أكثر ملاءمة للحياة البرية.
وأوضح أن تحسن حالة التربة، ينتقل إلى النباتات والبذار المخزنة فيها والساكنة، إذ تكسر هذه الرطوبة بتفاعلها مع مكونات التربة دورة الركود الطويلة للبذور، وخاصة في المناطق الصحراوية القاحلة التي تعتمد على الأمطار الموسمية، حيث توسع الأمطار مساحة الغطاء النباتي الحولي، والنباتات الرعوية، التي تساهم في إثراء المراعي وتخفيف الكلف عن أصحاب المواشي، كما تدعم هذه الهطولات التجدد الطبيعي للأشجار في الغابات، من خلال إنبات البذور وتحسن فرص بقاء الباذرات.
وقال إن هذا عنصر أساسي في استدامة الغطاء النباتي، لافتا إلى أنه في النظام المائي، تؤدي الهطولات الغزيرة إلى جريان الأودية وتشكل الفياضات الموسمية، وهذه الفيضانات تمثل إشارة طبيعية لبدء دورة التكاثر لدى العديد من الكائنات الحية، وعلى رأسها أسماك المياه العذبة، والبرمائيات، التي ترتبط حياتها بارتفاع منسوب المياه واتساع الموائل المائية المؤقتة وهذا يتضح في معظم الأودية التي تزخر بالحياة البرية في منطقة حوض البحر الميت ووادي اليرموك ونهر الأردن.
وفي الوقت ذاته، تعمل هذه الفيضانات على تنظيم الأجسام المائية، من خلال تخفيف تراكم الملوثات، والحد من سيطرة الأنواع الدخيلة، وكأنها عملية إعادة ضبط طبيعية للنظام المائي، كما أنها تسهم في نقل المغذيات، وزيادة خصوبة التربة، ونقل البذار الشجرية وحتى العشبية من مكان إلى آخر على طول مجرى الوادي.
وقال إن وفرة المياه تؤثر على حركة الطيور، حيث تشكل المسطحات المائية المكونة بفعل الأمطار مناطق استراحة شتوية مهمة، وأحيانًا مواقع للتكاثر كما هو الحال في قاع الأزرق مثلا؛ مما عزز التنوع الأحيائي المرتبط بالهجرة.
ولفت إلى أنه في نهاية هذه السلسلة البيئية، يؤدي تحسن الغطاء النباتي وزيادة التنوع إلى ارتفاع أعداد الطرائد؛ مما يمنح المفترسات الكبيرة والحيوانات البرية عمومًا فرصًا أفضل للغذاء والتكاثر، وكذلك يسهم في استعادة قدر من التوازن الطبيعي في النظم البيئية الأردنية.
من جهته، اعتبر مدير مرصد طيور العقبة وأخصائي تغير المناخ في الجمعية الملكية لحماية الطبيعة المهندس فراس الرحاحلة، أن الأمطار والطيور المهاجرة ورفاه الإنسان فرصة أردنية للنمو لا ينبغي تفويتها، لافتا إلى أن الموسم المطري الحالي لا يُعيد الحياة للأرض فحسب، بل يُعيد تفعيل منظومة بيئية متكاملة تتقدمها الطيور المهاجرة.
وأشار إلى أن الامطار تجعل من الأردن محطة جذب طبيعية للطيور المهاجرة، التي تبحث عن الماء والغذاء والاستراحة؛ فكلما كانت بيئاتنا أكثر جاهزية، زادت استفادة المملكة من الخدمات البيئية الهائلة التي تقدمها هذه الطيور دون كلفة مالية.
اقتصاديًا، أكد الرحاحلة أنه لا يمكن النظر إلى الطيور المهاجرة بوصفها كائنات عابرة، بل هي قوة غير مرئية ترفع مستوى رفاه الإنسان وتدعم النمو الاقتصادي؛ فالطيور تسهم في خفض أعداد الآفات الزراعية؛ ما يقلل الاعتماد على المبيدات، ويخفض كلف الإنتاج، ويحسّن جودة الغذاء. كما تلعب دورًا محوريًا في نشر البذور وتعزيز الغطاء النباتي، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة القطاع الزراعي والأمن الغذائي، فيما تشير التقديرات العالمية إلى أن قيمة هذه الخدمات البيئية تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، وهي عوائد تفوق بكثير أي استثمار تقليدي في البنية التحتية.
ويكفي التذكير، بحسب الرحاحلة، بدرسٍ تاريخي بالغ الأهمية من العصر الحديث؛ حين أدى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة عمون الإخبارية
