كيف تواجه شركات الأغذية أعاصير سلاسل الإمداد العالمية؟

لم تعد شركات الأغذية الكبرى تنظر إلى سلاسل الإمداد العابرة للقارات كأصل، بل كعبء جيوسياسي ومخاطرة مالية غير محسوبة. منطقة الخليج وحدها تستورد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، ليبرز التحول نحو «السيادة المحلية» كخيار وحيد للبقاء. إذ انتقلت معظم تلك الشركات من مرحلة التكيف إلى مرحلة التحصين الكامل ضد أي تقلبات سوقية.

خلال معرض غلفود دبي 2026 أظهر العديد من شركات تصنيع الأغذية مدى قدرتها على التعامل مع المخاطر التي تتهدد سلاسل الإمداد. إذ يشير رؤساء شركات تحدث إليهم موقع «إرم بزنس»، مثل مزارع العين وكرافت هاينز، إلى أنه كان يتعين عليهم مجابهة مخاطر سلاسل الإمداد العالمية في الوقت نفسه مع تحديات التأمين، وتقلبات أسعار الصرف التي عصفت بميزانيات الشركات خلال الأعوام الأخيرة.

تأميم الإمدادات

يقول حسان صافي الرئيس التنفيذي لمجموعة مزارع العين، إن شركته «أدركت أن كسر حلقة التضخم المستورد يبدأ من الداخل»، هذا ما قامت به عبر ضخ 60 مليون درهم لرفع إنتاج البيض إلى 550 مليون بيضة سنوياً بحلول 2026، لتستحوذ المجموعة وحدها على 25% من استهلاك الإمارات.

وأضاف صافي، أن الإعلان ليست مجرد خطوة توسعية، بل هندسة مالية لتقليل الاعتماد على اللوجستيات الدولية وتجنب تقلبات العملة التي تلتهم الهوامش الربحية.

حسان صافي، الرئيس التنفيذي لمجموعة مزارع العين

شركة كرافت هاينز وهي شركة أغذية أميركية، تعمل في أسواق الخليج ومصر، تبنت استراتيجية «التكامل الرأسي» لمواجهة الاضطرابات التجارية. على سبيل المثال، في مصر لم تعد الشركة مجرد مشترٍ، بل أصبحت شريكاً زراعياً يدير البذور والبروتوكولات مباشرة مع المزارعين.

ترى ماري جوكاسيان، المديرة العامة لشركة كرافت هاينز في الشرق الأوسط وإفريقيا، أن هذا النموذج هو «الترياق» لقفزات أسعار السلع العالمية.

وتستهدف الشركة، بحلول منتصف 2026، إلى مكاملة مبادئ تصميم التغليف المستدام لضمان عدم التعرض لـ«صدمات تنظيمية» أو تكاليف إعادة تصميم مفاجئة، مما يحول الاستدامة من ملصق تسويقي إلى أداة لضبط الميزانية العمومية.

صادرات الأغذية تقود النمو.. كيف تعزز مصر حضورها في الأسواق العالمية؟

لوجستيات ذكية

تنتقل المعركة من الحقول إلى مراكز التوزيع؛ حيث تستثمر مزارع العين ما بين 60 مليون و75 مليون درهم إماراتي لتطوير مركز لوجستي بالشراكة مع «وادي تكنولوجيا الغذاء».

وأكد صافي، أن الرهان ليس على المساحة التي تمتد على 13,000 متر مربع، وتضمّن أكثر من 40 رصيف تحميل، مع قدرات تخزين متكاملة مُخصّصة للمنتجات المجمدة، والمبردة، وتلك التي تخزّن في درجات حرارة المكان، بسعة ما بين 250 إلى 300 شاحنة، بل الرهان على خفض انبعاثات الأسطول بنسبة 35% ورفع كفاءة التسليم بمقدار الثلث.

وبحسب الرئيس التنفيذي لمزارع العين، فإن هذا التحول التكنولوجي يقلص «الرواسب» في سلسلة القيمة، ويضمن وصول المنتج في غضون 24 ساعة، مما يمنح الشركات المحلية ميزة تنافسية لا يمكن للمستوردين مضاهاتها من حيث الطزاجة واستقرار السعر.

وأوضحت بيانات تقرير جديد بعنوان «مستقبل الغذاء في الخليج 2026»، أن الاستثمار في المراكز اللوجستية الذكية بالإمارت مثل الذي تبينه مزارع العين يهدف إلى خفض تكلفة التشغيل (OPEX) عبر تقليل الهدر بنسبة 33%.

التقرير الصادر عن مراكز الأبحاث الاقتصادية في دبي والرياض، وبيانات إفصاح الشركات في «تداول» و«سوق دبي المالي»، أوضح أيضاً أن الاستثمارات المليارية في قطاع الدواجن بالسعودية تهدف لتحقيق ما وصفه بـ«اقتصادات الحجم» (Economies of Scale) للسيطرة على حصة الأسد في السوق الخليجية.

ماري جوكاسيان، المديرة العامة لشركة كرافت هاينز في الشرق الأوسط وأفريقيا

ترى جوكاسيان، أن الاستدامة لم تعد خياراً أخلاقياً، بل أصبحت آلية دفاع مالي ضد «لوائح مسؤولية المنتج الموسعة» والضرائب الكربونية الناشئة. وأوضحت أن «كرافت هاينز» خفضت كثافة استهلاك الطاقة بنسبة 5% والمياه بنسبة 9%، ليس لغايات البيئة فحسب، بل لخفض تكاليف التشغيل المباشرة.

وأكدت المديرة العامة للشركة في الشرق الأوسط وإفريقيا، أنه مع استهداف جعل 100% من العبوات قابلة لإعادة التدوير بحلول نهاية 2025، تتحصن الشركة ضد اضطرابات سلاسل توريد البلاستيك الخام وتقلبات أسعار الطاقة، مما يثبت أن «النمو الأخضر» هو في الحقيقة نمو في الأرباح الصافية.

هذا التحول نحو الاستدامة الذكية يفرض واقعاً جديداً على المستهلك؛ فالأسعار لن تظل رهينة لبورصات شيكاغو أو لندن، بل ستُحدد بناءً على كفاءة الطاقة الشمسية في مزارع العين أو قدرة «وادي تكنولوجيا الغذاء» على تدوير المياه.

وبحلول عام 2026، ستكون الشركات التي لم تستثمر في «تأميم» إمداداتها قد خرجت فعلياً من دائرة المنافسة السعرية، تاركةً الساحة للاعبين الذين أدركوا مبكراً أن الغذاء هو «النفط الجديد» في معادلة النفوذ الاقتصادي.

العملات الرقمية الغذائية

تُشير تقارير مصرفية من بلومبرغ إلى أن مجموعة من شركات الأغذية الكبرى في المنطقة تدرس إطلاق اعتمادات كربونية (Carbon Credits) مرتبطة بسلاسل التوريد المحلية. مما يعني مثلاً، أن كل بيضة تُنتج في مزارع العين أو كل طن طماطم ينتج من شركة هاينز، سيكون له قيمة مضافة يمكن تداولها في بورصات الكربون بحلول نهاية عام 2026، مما يفتح شريان سيولة جديداً لهذه الشركات بعيداً عن مبيعات الرفوف التقليدية.

تقرير: قطاع الأغذية والمشروبات في الدول العربية يستقطب 516 مشروعاً


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
فوربس الشرق الأوسط منذ 5 ساعات