ريتشارد هاس* - (إندبندنت عربية) 24/1/2026
يبرهن فشل تغيير الأنظمة بالقوة في أفغانستان والعراق وليبيا على أن إسقاط نظام الحكم أسهل من بناء الدولة، وأن غياب خطة "اليوم التالي" يصنع كوارث أطول عمراً من الأنظمة نفسها. ومع عودة هذا الخيار إلى الطاولة في فنزويلا وغزة وإيران، يجادل كاتب المقال بأن على واشنطن أن تفرّق بين الاستجابة لانهيارات داخلية ودفعها عمداً، وأن تجعل تغيير الأنظمة استثناءً نادراً لا سياسة دائمة.
***
منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن، استقر الرأي السائد على أن محاولات الولايات المتحدة المباشرة لتغيير الأنظمة انتهت إلى كوارث -ولأسباب وجيهة. في أفغانستان عادت حركة "طالبان" نفسها التي أُزيحت من السلطة في العام 2001 إلى الحكم في العام 2021 بعد عقدين من الجهود الأميركية العقيمة. وفي العراق نجحت القوات الأميركية في إنهاء نظام صدام حسين نهائياً، لكن النتيجة لم تكن بأي حال متناسبة مع الكلفة البشرية والاقتصادية والاستراتيجية والسياسية. ثم في ليبيا انتهى تدخل "حلف شمال الأطلسي" بقيادة الولايات المتحدة، والذي كان يهدف إلى منع معمر القذافي من تنفيذ مجزرة قد تكون وقعت أو لم تقع، إلى إعدامه وانهيار نظامه، ولكن لم تكن هناك أي خطة لاحقة، وقاد سقوط النظام إلى فوضى وما يمكن وصفه، بأدق تعبير، بدولة فاشلة.
هذه الحصيلة القاتمة في الفترة الأخيرة تضفي على العودة المفاجئة للحديث عن تغيير الأنظمة طابعاً مدهشاً، بل يكاد يكون مُربكاً. ويكشف التاريخ الأبعد لمثل هذه السياسات والعمليات الأميركية بصورة أوضح ما تنطوي عليه من وعود وأخطار، ويقدّم في الوقت نفسه بعض الدروس. وأوضح هذه الدروس هو أن الدعوة إلى تغيير نظام أسهل بكثير من تحقيقه، وأن غياب خطة لليوم التالي للإطاحة بأي نظام هو وصفة مؤكدة للكارثة. وأخيراً، وربما الأهم، هو أن على واشنطن أن تميّز بين تغيير النظام بوصفه حدثاً يستدعي ردّ فعل، وتغيير النظام بوصفه سياسة مقصودة تهدف إلى تحقيق نتيجة بعينها.
ومن المهم أيضاً إدراك أن مرور الزمن وضعف الذاكرة والحسابات السياسية الداخلية يمكن أن تتضافر معاً لطمس حقيقة التجارب السابقة في تغيير الأنظمة. ففي حين تدرس إدارة ترامب عدداً من الخيارات بشأن فنزويلا بعد القبض على حاكمها نيكولاس مادورو، يشير كثير من المراقبين إلى العملية الأميركية في العام 1989 للإطاحة بديكتاتور آخر في أميركا اللاتينية واعتقاله، وهو مانويل نورييغا في بنما، بوصفها مثالاً على إمكانية نجاح مثل هذه السياسة. لكن العمليتين كانتا في الواقع مختلفتين اختلافاً جوهرياً. وفوق ذلك كانت عملية بنما أخطر بكثير وأكثر كلفة مما يظنه البعض، وكان الإدراك الكامل لتلك الأخطار والكُلف أحد الأسباب التي دفعت الإدارة نحو عدم السعي إلى تغيير النظام بعد هزيمة العراق في حرب الخليج بعد ذلك بعامين، وهو قرار ثبتت وجاهته، على الأقل جزئياً، في ضوء كل ما تلا حين اتخذ جورج بوش الابن الخيار المعاكس في العام 2003.
التغيير قادم
يمكن أن يتخذ تغيير النظام أشكالاً عدة. فقد يأتي بدفع من قوى داخلية أو خارجية أو منهما معاً. وعندما يُفرض تغيير النظام من الخارج فغالباً ما يقترن ببناء الدولة. أي بمحاولة منظمة لفرض بديل مفضل. وربما كانت أنجح تجارب هذا النهج تلك التي جرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين قررت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها، الشروع في إصلاح جذري لبنية الحكم وتوجهات كل من ألمانيا واليابان، وكان الهدف ضمان ألا يشكل أي منهما تهديداً لمنطقته أو للعالم مرة أخرى. ثم جاءت الحرب الباردة لتضيف هدفاً آخر تمثل في تحويل البلدين سياسياً واقتصادياً، ولاحقاً عسكرياً، ليصبحا قادرين على الإسهام بفاعلية في مواجهة التحدي الذي مثله الاتحاد السوفياتي. وقد حققت هذه الجهود نجاحاً لافتاً وأصبحت كل من اليابان وألمانيا ديمقراطيتين راسختين وقوتين اقتصاديتين كبيرتين مندمجتين في منظومة التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت سُمح لهما بل وشُجعتا على امتلاك جيوش حديثة. وساعد في نجاح هذه التجربة أن البلدين كانا إلى حد كبير مجتمعين متجانسين ودولتين منظمتين جيداً، وكانا قد منيا بهزيمة عسكرية حاسمة. ومع ذلك، وحتى في هذه الظروف المواتية، فإن تحولهما لم يكن تلقائياً بل تطلب احتلالاً عسكرياً أميركياً طويلاً وتدخلاً مباشراً وعميقاً من واشنطن في إعادة بناء نظاميهما السياسيين.
وفي الوقت نفسه تقريباً، رفضت الولايات المتحدة الدعوات إلى تغيير النظام في الاتحاد السوفياتي، فقد رأت الإدارات المتعاقبة أن هذا الطرح، الذي أطلق عليه أنصاره اسم "الدحر" وكان يهدف إلى استبدال النظام الشيوعي بنظام ديمقراطي رأسمالي، ينطوي على أخطار كبيرة لا يمكن تحملها في العصر النووي، وبدلاً من ذلك استقرت واشنطن على سياسة أكثر حذراً وصفها مهندسها الرئيس الدبلوماسي جورج كينان بأنها "احتواء طويل الأمد وصبور، لكنه حازم ويقظ للنزعات التوسعية الروسية". وكان هدف السياسة الخارجية الأميركية هو التأثير في سلوك موسكو الخارجي لا إعادة تشكيل النظام السوفياتي نفسه.
نجحت سياسة الاحتواء نجاحاً كبيراً طوال العقود الأربعة من الحرب الباردة، فقد جرى كبح التمدد السوفياتي، بل إن الاحتواء تجاوز التوقعات ومهد الطريق في نهاية المطاف لتغيير النظام في الاتحاد السوفياتي، وبمعنى ما تحقق "الدحر" لكن ليس نتيجة جهود غربية مباشرة، بل بفعل عوامل غير مباشرة من بينها تماسك الـ"ناتو" والجاذبية التي مثّلها النموذج الاقتصادي والعسكري الأميركي المتفوق. غير أن العامل الحاسم كان داخلياً وتمثّل في القوى التي نشأت داخل الاتحاد السوفياتي نفسه، ولا سيما صعود النزعات القومية وسياسات ميخائيل غورباتشوف الذي أسهم تسريعه للإصلاح السياسي وامتناعه من استخدام القوة لقمع المعارضة، سواء في الداخل أو في الدول التابعة، في وضع حد للتجربة الشيوعية السوفياتية التي استمرت 70 عاماً.
كذلك شهدت الحرب الباردة محاولات أخرى عدة لتغيير الأنظمة نفّذ كثيراً منها جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية. وربما كانت أشهر هذه المحاولات أو أسوأها سمعة تلك العملية سيئة التخطيط والتنفيذ في خليج الخنازير للإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا العام 1961. فقد شكلت تلك العملية درساً باكراً ومهيناً مفاده بأن محاولات فرض تغيير الأنظمة يمكن أن تفشل فشلاً ذريعاً، ولا سيما حين يكون النظام المستهدف مصمماً على الصمود ومترسخاً بعمق.
هل بنما نموذج قابل للتكرار؟
هناك محاولة لاحقة لتغيير النظام في أميركا اللاتينية تحظى باهتمام كبير خلال الآونة الأخيرة، وهي التدخل الأميركي في بنما في العام 1989. ويرجع ذلك جزئياً لأوجه التشابه المتصورة بينها وبين الأحداث الأخيرة في فنزويلا. ففي ذلك الوقت تحركت إدارة جورج بوش الأب للإطاحة بمانويل نورييغا؛ الزعيم المستبد الذي كان يحكم بنما (ومن ثم اعتقاله). وكان نورييغا، شأنه شأن مادورو، متورطاً في تهريب المخدرات، وألغى نتائج انتخابات هُزم فيها. لكن في حالة بنما كان بوش يرد أيضاً على مقتل جندي أميركي هناك، وعلى مخاوف من أن يُعرض نورييغا أفراداً أميركيين آخرين وقناة بنما للخطر، وهو قلق تفاقم بسبب إعلان الجمعية الوطنية البنمية (البرلمان) حال الحرب. وبمجرد أن وقع نورييغا في قبضة الولايات المتحدة نجحت واشنطن في تنصيب الفائز في الانتخابات التي أُلغيت، غييرمو إندارا، في السلطة. ولكن من المهم التذكير بأنه بحلول ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة قد نشرت أكثر من 25 ألف جندي على الأرض، وكان لها حضور دبلوماسي وتجاري قوي في بنما، ودور راسخ ومقبول على نطاق واسع في البلاد بفضل القناة التي بناها الأميركيون. ومن الجدير أيضاً الأخذ في الاعتبار أن مساحة بنما تقل عن عُشر مساحة فنزويلا وأن عدد سكانها كان أقل من عُشر عدد سكان فنزويلا الحاليين. وكذلك، فإن القوات المسلحة البنمية كانت ضعيفة وقليلة العدد وتضم في صفوفها عدداً من الفصائل المناهضة لنورييغا.
ومع ذلك تبين أن تغيير النظام في بنما لم يكن سهلاً ولا خالياً من الكُلف، فقد سقط مئات الضحايا الأميركيين بينهم 23 جندياً قُتلوا. والصعوبات التي واجهت عملية القبض على نورييغا وإنهاء العملية على نحو مناسب كانت محبطة ومحرجة. وكشفت التجربة عن مدى تعقيد العمليات العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، حتى وإن كانت دولة مألوفة وصديقة نسبياً وصغيرة مثل بنما. وقد جعل كل ذلك إدارة بوش أكثر حذراً من مثل هذه المشاريع. وكما كان رئيس هيئة الأركان المشتركة كولن باول يذكر زملاءه باستمرار فإن تغيير النظام ليس مهمة عسكرية؛ فالقوات المسلحة يمكن تكليفها بتدمير أهداف وربما اعتقال زعيم أجنبي أو قتله، لكنها لا تستطيع أن تُكلَّف باستبدال نظام سياسي قائم بنظام آخر أكثر انسجاماً مع تفضيلات واشنطن، فذلك يتطلب استخدام جميع أدوات القوة الأميركية ويعتمد إلى حد كبير على طبيعة الدولة المستهدفة وقوة البدائل القادرة على الحلول محل النظام القائم. وعلاوة على ذلك، فإن تكليف الجيش بالعمل بعيداً من ساحات المعارك وقرب السكان المدنيين في المناطق الحضرية سيؤدي إلى خسائر فادحة ونتائج غير مؤكدة. وقد أسهم هذا الحذر إلى حد كبير في قرار بوش الامتناع من التقدم نحو بغداد في العام 1991 مع اقتراب انتهاء المرحلة القتالية من حرب الخليج.
معركة تلو الأخرى
لكن هذا الحذر تلاشى مع مرور الوقت، فبعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، تعاونت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) والقوات المسلحة الأميركية مع مقاتلين من القبائل الأفغانية للإطاحة بحكومة "طالبان" عقب رفضها تسليم قادة تنظيم "القاعدة" المسؤولين عن الهجوم الإرهابي، ثم لعبت الولايات المتحدة دوراً كبيراً في تشكيل حكومة بديلة وإعادة إعمار البلاد وبناء جيش وتعليم الفتيات والنساء وغير ذلك، وكان ذلك مثالاً كلاسيكياً على بناء الدولة.
غير أن هذا الجهد اصطدم بعودة "طالبان" والفساد والانقسامات التي اتسمت بها الحكومة والمجتمع في أفغانستان. وبعد 20 عاماً وأكثر من 2000 قتيل أميركي، ونحو 20 ألف إصابة أخرى في صفوف الأميركيين وإنفاق تريليونات الدولارات، غيرت الولايات المتحدة مسارها لأنها لم تتمكّن من هزيمة "طالبان"، وكان من غير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
