عند الحديث عن التأتأة، يتجه التفكير عادةً إلى الصوت المتقطع أو إلى تعثر اللسان عند المتكلم. غير أن النظر في تأتأة اللغة ذاتها يفتح أفقًا أوسع، حيث تظهر التأتأة بوصفها حركة تمارسها اللغة نفسها أثناء توليدها للمعنى. الكلمات تدخل في مسار غير مألوف، وتبحث عن صيغ تعبير تتجاوز ما اعتادته.
يقدّم جيل دولوز في الفصل الثالث عشر من كتابه «منقد ومشفى» تصورًا للسان بوصفه شبكة متحركة تتشعب وتتأرجح. في لحظات هذا الاهتزاز، تدخل اللغة حالة طفرة تشبه طفرات مجال الاقتصاد. اللسان يعمل بوصفه بنية قابلة للتحول. الكاتب، في هذا الإطار، هو من يدفع اللسان إلى الانفعال والتشعب، ويُنتج داخل اللغة لسانًا أجنبيًا ينبثق من قلبها. في هذه الحركة، تتحول التأتأة إلى القوة التي تحرّر اللغة من سكونها، وتدفعها إلى بلوغ حدود جديدة.
وبحسب دولوز تتصل المسألة بطبيعة ما يُنجزه الكاتب باللغة ذاتها. الوصف المباشر للتأتأة يستعمل اللغة في وضعها المستقر، ويجعلها أداة لنقل حالة نفسية أو صوتية. التمثيل غير المباشر، عبر التقطيع والتكرار والإيقاع، يضع اللغة تحت ضغط متزايد، ويحرّك إمكاناتها التعبيرية. وعندما تتحول التأتأة إلى فعل في اللسان نفسه، تدخل اللغة حالة اهتزاز بنيوي، وتصبح موضوع التجربة بدل أن تكون وسيلتها.
ويمكن تلخيص رؤية دولوز حول التأتأة في اللغة بأنها لحظةً تنتقل فيها من كونها وسيطًا شفافًا للمعنى إلى كونها مجالًا لتكوّنه حيث تصبح التأتأة أثرًا ناتجًا عن ضغط يُمارَس على اللغة نفسها حين تُدفَع إلى حدودها القصوى. عند هذا الحدّ، تفقد اللغة انسيابها المعتاد، وتتخلى عن يقينها الدلالي، لتدخل في حالة اهتزاز يكشف صعوبة ولادة المعنى من داخلها، ويجعل القول حدثًا يتشكّل أثناء وقوعه لا نتيجةً سابقة عليه.
الأمثلة التي يستحضرها دولوز في هذا الفصل تكتسب قيمتها بوصفها أنماطًا مختلفة للعلاقة مع اللغة، توضّح انتقال التأتأة من مستوى التمثيل إلى مستوى الفعل داخل اللسان نفسه.
في النموذج الأول، تُنجَز التأتأة داخل الجملة ذاتها عبر التقطيع والتكرار، بحيث يُختبر التعثّر مباشرة في القول مع بقاء اللغة مستقرة من حيث القواعد والمعنى. ويُحيل دولوز في هذا السياق إلى مشاهد متكررة في روايات أونوريه دي بلزاك، حيث يجعل الشخصيات تتكلم بجمل متقطعة، تتكرر فيها المقاطع الأولى من الكلمات أو العبارات، فيُكتب التلعثم داخل النسيج اللغوي نفسه من غير أن يختل النظام النحوي أو يضيع المعنى.
في النموذج الثاني، تتشكّل التأتأة بوصفها مناخًا عامًا يحيط بالكلام ويمنحه ثِقَلَه. يستشهد هرمان ملفيل، ولا سيما في شخصية إيزابيل، حيث ينخفض الصوت ويتكثّف الصمت ويغدو الهمس قرينًا للوجود، فتُقال الجملة ضمن توتّر يعلّق معناها ويُبقيه متحرّكًا. كما يُحيل إلى أعمال ساشر- مازوخ، حيث يُنتج التوتّر النفسي والانتظار فضاءً لغويًا مشحونًا يطوّق القول ويُحدّد إيقاعه الدلالي.
في النموذج الثالث، تظهر التأتأة بلا كلام، إذ يسبق الاضطرابُ التلفّظَ نفسه ويتجسد في الجسد والتردد.
ويستند دولوز هنا إلى عالم فرانتس كافكا، حيث تقف الشخصيات مرارًا في مواقف تتطلب الشرح أو الدفاع أو التبرير، لكنها تعجز عن الكلام، فيظهر التوتر في الحركات، وفي الصمت، وفي تأجيل القول، وتغدو التأتأة فجوة قائمة بين ما يجب قوله وما يمكن قوله.
في النموذج الرابع، تنتقل التأتأة من التمثيل إلى الفعل، فتصيب الكلمات نفسها ولا تعود الكلمة وحدة مكتملة. ويشير دولوز إلى نماذج لغوية تتردد فيها الكلمة داخل ذاتها، فتُعاد صياغتها أثناء القول، بحيث يتكوّن المعنى تدريجيًا لا دفعة واحدة. في هذا المستوى، لا يقدّم الكاتب مثالًا حكائيًا محددًا بقدر ما يصف تحوّلًا في وظيفة الكلمة، حيث تصبح التأتأة حركة داخلية في بنية القول.
في النموذج الخامس، يُفهم اهتزاز اللغة بوصفه حركة داخل النظام اللغوي ذاته، حيث يتأرجح المعنى بين التوسيع والتحديد. ويستند دولوز هنا إلى تصوّرات غوستاف غيوم، ولا سيما تحليله لحركات الذهن اللغوي بين الاسم النكرة والاسم المعرّف، بوصفها عمليات زمنية داخل اللغة تُدخل اللسان في حالة تشكّل دائم، وتجعل المعنى غير ثابت منذ البداية.
في النموذج السادس، تتشكّل التأتأة داخل اللغة الأغلبيّة نفسها عبر إنتاج لسان أقلّي يُعاد فيه تشكيل القواعد من الداخل. ويستشهد دولوز بكتاب أعمدة الحكمة السبعة لـ**توماس إدوارد لورنس**، حيث تُدفع اللغة الإنكليزية إلى استيعاب تجربة الصحراء، والزمن البدوي، والحرب، فتنتج تراكيب وإيقاعات غريبة عن استعمالها المعتاد، حتى قيل عن هذا النص إنه «ليس لغة إنجليزية».
وفي النموذج السابع، تبلغ التأتأة ذروتها حين تتحول اللغة إلى شدة صوتية خالصة. ويجد دولوز المثال الأقصى لهذا الحدّ في شعر جيراسم لوكا، ولا سيما في التكرارات المتصاعدة لعبارات بسيطة مثل إعلان الحب، حيث تتحول الكلمة إلى ضغط صوتي ونَفَس وإيقاع، وتتخلى اللغة عن وظيفتها الدلالية لتعمل بوصفها موسيقى وشدّة محسوسة.
التأتأة عندما يتهجّى الثبيتي
بعد استعراض نماذج التأتأة كما صاغها جيل دولوز، من التمثيل الجزئي داخل الجملة إلى الذروة التي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
