الطاقة المتجددة في مصر.. من حل طارئ لأزمة الكهرباء إلى استثمار مغر. في السنوات الأخيرة، تحوّلت الطاقة المتجددة في مصر من دور تكميلي إلى ركيزة أساسية للإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية، مع مساهمة في إدارة ضغوط المناخ والمياه.. التحول يشمل تغيير فلسفة الدولة من نموذج تقوده الحكومة إلى نموذج يقوده السوق مع إدارة الدولة عبر الأطر التنظيمية والعقود طويلة الأجل.. تستهدف مصر أن تمثل الطاقة المتجددة 42% من توليد الكهرباء بحلول 2030، بهدف خفض فاتورة الوقود، تخفيف ضغط الموازنة، وخلق قطاع جذاب لرأس المال طويل الأجل والتكامل الإقليمي.. التفاصيل في

قبل سنوات قليلة، كانت الطاقة المتجددة في مصر تُعامل كمكمّل تقني لشبكة الكهرباء التقليدية. اليوم، تتحول بسرعة إلى أحد أعمدة الإصلاح الاقتصادي، ورافعة لجذب الاستثمارات الأجنبية، وأداة لإدارة ضغوط المناخ والمياه في آن واحد.

ولا يقتصر التحول الجاري على إضافة قدرات توليد جديدة، بل يكشف عن تغيير أعمق في فلسفة الدولة: الانتقال من نموذج تقوده الحكومة في التطوير والتمويل، إلى نموذج تقوده السوق، وتديره الدولة عبر الأطر التنظيمية والعقود طويلة الأجل.

تستهدف مصر أن تمثل مصادر الطاقة المتجددة 42% من إجمالي توليد الكهرباء بحلول عام 2030، في ظل نمو الطلب المحلي بنحو 5 6 غيغاواط سنوياً، لكن هذا الرقم لا يعكس طموحاً بيئياً فقط؛ بل يعبّر عن رهان اقتصادي على خفض فاتورة الوقود، وتخفيف الضغط على الموازنة، وإيجاد قطاع قادر على جذب رأس المال طويل الأجل والتكامل مع الأسواق الإقليمية.

ومع توجه الدولة لتطوير قدرات موجهة للتصدير، إلى جانب إدخال حلول تخزين الطاقة على نطاق الشبكات، بدأت الطاقة المتجددة تلعب دوراً جديداً: ليس فقط في تلبية الطلب المحلي، بل في إعادة تموضع مصر على خريطة الطاقة في المنطقة.

مصر أمام طفرة جديدة في إنتاج الأسمنت.. كيف تنعكس على الأسعار والتصدير؟

إعادة توجيه رأس المال العام

لم يكن قرار الحكومة المصرية بالموافقة على بيع مزرعة «رياح جبل الزيت» على ساحل البحر الأحمر مجرد صفقة تخارج، بل عكس توجهاً حكومياً أوسع لإعادة هيكلة ملكية أصول الطاقة المتجددة، وبموجب هذا التوجه، باتت الدولة أكثر انفتاحاً على بيع أصول عاملة، وإتاحة المجال أمام القطاع الخاص لتشغيلها وتوسيعها، في مقابل إعادة توجيه رأس المال العام نحو أولويات استثمارية أخرى.

وتكتسب «جبل الزيت» أهمية خاصة، بحسب بيانات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، لوقوعها ضمن أحد أعلى ممرات سرعة الرياح في مصر، إضافة إلى ارتباطها بشبكات نقل قائمة، ما يجعلها من الأصول الجاهزة للتشغيل التجاري دون الحاجة إلى استثمارات بنيوية إضافية. وفي هذا السياق، ينظر مختصون في قطاع الطاقة إلى الصفقة باعتبارها «صفقة إشارة» (Signal Transaction)، تمهّد لاختبار شهية المستثمرين قبل المضي في خطوات أوسع لخصخصة أصول الطاقة المتجددة.

اقتصادياً، يرى محللون أن هذه الخطوة تفتح المجال أمام دخول فئات جديدة من المستثمرين، بما في ذلك الصناديق السيادية وصناديق البنية التحتية والمستثمرون المؤسسيون الباحثون عن عوائد مستقرة وطويلة الأجل، كما تسهم في تعميق سوق الأصول القابلة للتمويل، وتعزيز الثقة بالإطار التنظيمي وآليات تنفيذ الصفقات في قطاع الطاقة.

الصين توسّع حضورها

في موازاة الخصخصة، تتسارع الاستثمارات الأجنبية، وعلى رأسها الصينية، فقد أعلنت شركة «تشاينا إنيرجي إنجنيرينغ كورب» (CEEC) عن خطة استثمارية بقيمة مليار دولار خلال خمس سنوات، تستهدف الطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، وتحلية المياه.

ولا يعكس هذا التوسع شهية استثمارية فقط، بل رؤية استراتيجية أوسع، فالشركة تخطط لجعل مصر مركزها الإقليمي، مستفيدة من حجم السوق، والموقع الجغرافي، واتساع مشروعات البنية التحتية، ومنذ دخولها السوق المصرية عام 2009، نفذت «تشاينا إنيرجي» أربعة عشر مشروعاً، ونقلت مؤخراً مقرها الإقليمي إلى القاهرة، في إشارة إلى تحول حضورها من تنفيذ مشروعات إلى شراكة طويلة الأمد.

الأهم أن الاستثمارات الصينية تركز على الربط بين الطاقة والمياه، وهو ما ينسجم مع التحديات الهيكلية التي تواجهها مصر في الأمن المائي.

توربينات الرياح التي تولد الطاقة المتجددة، تظهر في مزرعة الرياح بالزعفرانة، في محافظة السويس، مصر، 1 سبتمبر 2020.

أوروبا تدخل بثقل التمويل طويل الأجل

على الجانب الأوروبي، لم تعد المشاركة تقتصر على تطوير مشروعات منفردة، بل امتدت إلى نماذج تمويل منسقة تجمع بين رأس المال، وتخفيف المخاطر، والدعم المؤسسي.

وتُعد مشروعات شركة «سكاتك» (Scatec) النرويجية مثالاً واضحاً على هذا التوجه، فإلى جانب استثمارها البالغ 1.8 مليار دولار في الطاقة الشمسية والتخزين بمحافظة المنيا، تطور الشركة مشروع «أوبليسك» (Obelisk) في محافظة قنا، بدعم تمويلي قدره 150 مليون دولار من «بنك الاستثمار الأوروبي» (European Investment Bank).

ويجمع المشروع بين محطة طاقة شمسية بقدرة 1.1 غيغاواط ذروة ونظام تخزين بطاريات بقدرة 100 ميغاواط/ 200 ميغاواط ساعة، ليشكّل أكبر مشروع هجين للطاقة الشمسية في إفريقيا، ويوفّر ما يصل إلى 1 غيغاواط من الكهرباء النظيفة بموجب عقد شراء طويل الأجل مع «الشركة المصرية لنقل الكهرباء».

ويبرز هنا نموذج «فريق أوروبا»، الذي يجمع «بنك الاستثمار الأوروبي»، و«البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» (EBRD)، و«الشركة البريطانية الدولية للاستثمار» (BII)، إلى جانب ضمانات وأدوات تمويل ميسّرة من الاتحاد الأوروبي. ويعكس هذا النموذج انتقال أوروبا من دور الممول إلى دور الشريك في بناء منظومة طاقة أكثر مرونة واستقراراً.

الطاقة والمياه معادلة لا يمكن فصلها

أحد أهم محركات التحول في قطاع الطاقة المتجددة هو ملف المياه، فمصر تخطط لرفع إنتاج المياه المحلاة إلى 10 ملايين متر مكعب يومياً خلال خمس سنوات، مقارنة بنحو 1.4 مليون متر مكعب حالياً، مع هدف بعيد المدى يصل إلى 30 مليون متر مكعب يومياً.

ولا يمكن تحقيق هذه القفزة دون طاقة كثيفة ومستقرة، وهنا تظهر الطاقة المتجددة، مدعومة بالتخزين، كحل اقتصادي بقدر ما هو بيئي: تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتثبيت تكاليف التشغيل، وخفض البصمة الكربونية لقطاع التحلية.

بذلك، تتحول مشروعات الطاقة المياه المتكاملة إلى عنصر استراتيجي في تعزيز الأمن القومي، وليس مجرد مشروعات بنية تحتية.

مصر تستهدف 100 مليار دولار استثمارات أجنبية مباشرة في 5 سنوات

ماذا يعني ذلك للمستثمرين الأجانب؟

بالنسبة للمستثمرين، يفتح هذا المشهد مجموعة واسعة من الفرص، فلا تزال مشروعات الرياح والطاقة الشمسية على نطاق المرافق في صدارة النمو، مدعومة بعقود شراء طويلة الأجل، وفي الوقت نفسه، يبرز تخزين الطاقة بالبطاريات كقطاع حيوي مع ارتفاع حصة الطاقة المتجددة في الشبكة.

كما توفر مشروعات تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة فرصاً لحلول متكاملة تجمع بين الطاقة المتجددة والتخزين والبنية التحتية للمياه، وتوفر الخصخصة ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص نقاط دخول جذابة للمستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة وطويلة الأجل.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 19 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 18 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 22 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين