رغم قدرته على تحليل البيانات وتسريع الاكتشافات، يؤكد باحثون أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة داعمة للعلم، لا بديلًا عن العلماء.

رغم التقدم المتسارع في توظيف الذكاء الاصطناعي داخل المجالات العلمية، لا تزال نتائجه متباينة، ما يثير تساؤلات حول حدوده وقدرته الفعلية على إحداث تحول جذري في البحث العلمي. فبينما يُنظر إلى هذه التقنيات بوصفها أدوات واعدة، يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل يومًا محل العلماء؟

حدود الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي وفي هذا السياق، وقّعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 24 نوفمبر 2025، أمرًا تنفيذيًا أطلقت بموجبه مبادرة «جينيسيس»، الهادفة إلى تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي مُدرَّبين على قواعد البيانات العلمية الفيدرالية. وتهدف المبادرة إلى اختبار فرضيات جديدة، وأتمتة بعض مراحل البحث العلمي، وتسريع وتيرة الاكتشافات.

ووفقًا لموقع " livescience" تُظهر التجارب حتى الآن صورة مختلطة لما يُعرف بـ«علماء الذكاء الاصطناعي». فمن جهة، تمتلك هذه الأنظمة قدرة عالية على تحليل كميات هائلة من البيانات واكتشاف أنماط دقيقة يصعب على الباحثين رصدها. ومن جهة أخرى، يحدّ غياب التفكير المنطقي والسياق المفاهيمي من فعاليتها، ما قد يؤدي إلى اقتراح تجارب غير واقعية أو نتائج تفتقر إلى المعنى العلمي.

ويرى مختصون أن الذكاء الاصطناعي قادر على دعم أجزاء من العملية العلمية، لكنه لا يزال بعيدًا عن أتمتة البحث العلمي بالكامل. ويؤكد باحثون في فلسفة العلوم أن ممارسة العلم لا تقتصر على معالجة البيانات، بل تتطلب فهمًا نظريًا وحكمًا بشريًا لا يمكن للأنظمة الذكية تعويضه في الوقت الراهن.

الذكاء الاصطناعي يتعلم من البشر أولًا تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي في عملها على ما يزوّدها به البشر، إذ لا تتعلّم من الواقع مباشرة، بل من بيانات يختارها ويُعدّها العلماء. ويُعد الإشراف البشري على هذه البيانات عنصرًا أساسيًا، لأنه يحدد الإطار الذي يعمل فيه النموذج ويتيح له تحقيق النتائج التي يُنسب إليها.

ويُعد نموذج «ألفافولد» مثالًا بارزًا على ذلك، بعدما نجح في التنبؤ ببنية البروتينات داخل الخلايا البشرية، وهو إنجاز نال مطوّروه بسببه جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024. ويساعد هذا التقدم الباحثين على دراسة البروتينات بسرعة أكبر، ما يدعم تطوير الأدوية وفهم تطور الأمراض وتعزيز أبحاث الطب الحيوي.

ومع ذلك، يؤكد مختصون أن مثل هذه الأنظمة لا تنتج معرفة علمية جديدة من تلقاء نفسها، بل تُسهم في تسريع تحليل البيانات المتوافرة وتحسين كفاءة العمل البحثي، فيما يظل دور العلماء البشر حاسمًا في طرح الأسئلة وتفسير النتائج.

توضح الفيلسوفة إميلي سوليفان أن نجاح نماذج الذكاء الاصطناعي كأدوات علمية مرهون بارتباطها الوثيق بالمعرفة العلمية القائمة. فلكي تكون تنبؤات هذه النماذج ذات قيمة، يجب أن تنطلق من فهم الباحثين الحالي للعالم الطبيعي، لا أن تعمل بمعزل عنه.

وتشير إلى أن قوة هذا الارتباط تعتمد على عاملين أساسيين؛ حجم المعرفة المتوافرة حول الموضوع، وقدرة المبرمجين على تحويل المفاهيم العلمية والقواعد المنطقية إلى نماذج وبرمجيات فعّالة.

ويُعد نموذج AlphaFold مثالًا واضحًا على ذلك، إذ لم يكن ليحقق نجاحه لولا الكم الكبير من الأبحاث السابقة حول بنية البروتينات، التي استخدمها المطورون في تدريب النموذج. ويؤكد الباحثون أن غياب هذا الأساس النظري الذي وفّره العلماء البشر كان سيجعل نتائج AlphaFold بلا قيمة علمية حقيقية.

يؤكد باحثون أن دور العلماء في البحث العلمي لا يقتصر على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي أو ضبط عملها تقنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى جوهر العملية العلمية نفسها. فالعلم، بوصفه نشاطًا إبداعيًا، يرتبط بالقيم البشرية وطريقة تفكير الإنسان وتفاعله مع العالم.

ولا تُعد الاكتشافات العلمية مجرد نتائج أو نظريات مدعومة بالأدلة، بل هي حصيلة عمل جماعي طويل الأمد، شارك فيه علماء من خلفيات مختلفة، جمعهم الالتزام بالمنهج العلمي والنزاهة الفكرية. وغالبًا ما تكون هذه الاكتشافات ثمرة تراكم معرفي، لا إنجازًا فرديًا معزولًا.

ويُستشهد في هذا السياق باكتشاف البنية المزدوجة للحمض النووي (DNA)، الذي لم يكن ممكنًا التحقق منه تجريبيًا عند طرحه لأول مرة، بل استند إلى قدرات تحليلية لدى علماء متخصصين. ولم يتحول هذا التصور إلى حقيقة علمية راسخة إلا بعد عقود من التطور التقني وتراكم الأبحاث، وصولًا إلى نيل جائزة نوبل عام 1953.

ويخلص مختصون إلى أن العلم يُعد مشروعًا اجتماعيًا بامتياز، تُناقش فيه الأفكار، وتُختبر التفسيرات، وتبقى الخلافات قائمة أحيانًا. فالعلماء لا يكتفون بتسجيل الحقائق، بل يشاركون في بنائها من خلال الحوار والممارسة المهنية والمعايير المشتركة التي تتأثر بالقيم الاجتماعية والسياسية.

يرى مختصون أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدراته الحاسوبية المتقدمة، لا يمكن اعتباره «عالِمًا» بحد ذاته، بل أداة يمكن أن تسهم في تسريع البحث العلمي إذا استُخدمت بحذر وتحت إشراف بشري.

وبمشاركة فاعلة من المجتمع العلمي، قد تُحقق مبادرات طموحة مثل مهمة «جينيسيس» فوائد حقيقية للباحثين، إذ يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي المصممة بعناية أن تُبسّط الجوانب التقنية للبحث، وتُسهم في تسريع تحليل البيانات، وتلخيص ما أُنجز سابقًا، بما يساعد على تصميم تجارب جديدة وصياغة فرضيات أكثر دقة.

غير أن الخبراء يحذّرون من أن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بديل عن العلماء، أو السعي إلى أتمتة العملية العلمية بالكامل، قد يفرغ العلم من جوهره. فالعلم، بوصفه مصدرًا موثوقًا للمعرفة، يرتبط بالأهداف البشرية المشتركة، والخبرة الإنسانية، والقدرة على الحكم والتفسير، وهي عناصر لا تستطيع الأنظمة الذكية تعويضها.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ 55 دقيقة
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 19 دقيقة
منذ ساعتين
العلم منذ 16 ساعة
سي ان ان بالعربية - منوعات منذ 7 ساعات
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 3 ساعات
موقع سائح منذ 4 ساعات
موقع سائح منذ 7 ساعات
موقع سائح منذ 36 دقيقة
موقع سائح منذ 6 ساعات
موقع سائح منذ 3 ساعات