السعودية والأهداف الذهبية. صالح الحكمي | #مقالات

في السياسة، كما في كرة القدم، لا تقاس قيمة الهدف بجمال التسديدة وحدها، بل بتوقيته. هناك أهداف تسجل في الدقيقة الأولى فلا تغير شيئا، وأخرى تأتي في اللحظة الأخيرة فتعيد كتابة النتيجة كاملة. وفي التاريخ لحظات لا تُقاس بطولها الزمني، بل بثقلها السياسي. لحظات يكون فيها القرار متأخراً دقيقة واحدة عن الكارثة، ومتقدماً دقيقة واحدة عن الفوضى. واليمن، منذ سبتمبر 2014، عاش سلسلة متصلة من هذه اللحظات، حتى بات تاريخه الحديث أقرب إلى حافة هاوية تتحرك، إلى طريق منحدر غير مستقيماً. ومع كل اقتراب من السقوط، كانت السعودية تظهر في المشهد كفاعل مركزي يتدخل في الوقت القاتل لمنع الانهيار الكامل، وللحفاظ على البلد الجارة من الانهيار الكلي، عين ترقب صنعاء والمحتل الذي يعبث بها، ويد تمسك بشرعية اليمن وتسندها وتمسح عنها غبار العواصف المتلاحقة التي تعصف بها من وقت لآخر.

حين سقطت صنعاء في سبتمبر عام 2014 بيد ميليشيا الحوثي الإرهابية، لم تكن تلك اللحظة مجرد انقلاب عسكري مدعوم إيرانياً في عاصمة عربية (العاصمة العربية الرابعة التي سقطت بأيديهم كما أعلن أحد قادتهم)، بل كانت نقطة مفصلية في تاريخ اليمن والمنطقة بأسرها. مشهد بدت فيه الدولة اليمنية وكأنها تتنفس آخر أنفاسها، كان أشبه بأرشيف إعلان نهاية نظام ومشروع سياسي عمره عقود في قلب الجزيرة العربية، وما تبعه من تسارع نحو حالة من التمزق السياسي والاجتماعي التي لم يعرفها اليمن في تاريخه الحديث.

في تلك اللحظة الحرجة، ظهر التدخل السعودي بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين محمد بن سلمان في صورة قائد وأخ أكبر قادر على إخماد شرارة الانهيار قبل أن تتحول إلى حريق لا يُطفأ. ذلك التدخل لم يولد بقرارٍ مسبق، بل بضغط من اللحظة نفسها على موازين القرار الإقليمي، حين وجدت الرياض أن سقوط الدولة اليمنية يعني ليس فقط تهديداً جغرافياً على حدودها الجنوبية، بل تحول اليمن إلى منصة للصراع الإقليمي بين طهران والرياض.

سقوط صنعاء لم يكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل من هشاشة الدولة، الدولة التي تغافلت عن ميليشيا التهمت محافظة بأكملها (صعدة) منذ العام 2011 وهجرت أكثر من نصف سكانها على مرأى ومسمع الجميع، ولا أزال أتذكر وقوفنا (أبناء صعدة وسفيان) مراراً أمام منزل الرئيس هادي في صنعاء للمطالبة ببسط الدولة نفوذها على محافظة صعدة وانتشالها من بطش الميليشيا وأغلقت المسامع وأطبقت الأفواه عن مطالبنا، الأمر الذي شجع ميليشيا الحوثي الإرهابية وفتح شهيتها للتحرك عسكرياً باتجاه محافظة أخرى (عمران) وأسقطتها وقتلت خيرة رجالاتها وقيادتها العسكرية وعلى رأسهم الشهيد البطل القشيبي دون تدخل أو تحرك فعلي من قبل الدولة، في مشهد درامي أطل علينا هادي من بين ركامه والنيران لم تخمد بعد، والدماء تسيل، واعتلى على جماجم الأبطال في عمران صبيحة استشهاد القشيبي ليعلن أن عمران عادت لحضن الدولة في مسرحية هزيلة، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في سرعة تحوّل الانقلاب إلى مشروع سيطرة شاملة. العاصمة التي يفترض أن تكون مركز القرار تحوّلت إلى أداة، والجيش الذي يفترض أن يحمي الدولة أصبح جزءاً من معادلة تفكيكها. في تلك اللحظة، لم يكن الخطر محلياً فحسب، بل كان إقليمياً بامتياز. اليمن، بموقعه وتركيبته، لا يسقط وحده. سقوطه يعني إعادة رسم خرائط النفوذ في جنوب الجزيرة العربية، وفتح ثغرة استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

حين اتخذت الرياض قرار التدخل في مارس 2015، لم يكن ذلك تعبيراً عن رغبة في الحرب، لقد كان اعترافاً بأن ترك الأمور على حالها يعني التسليم بولادة واقع جديد، واقع تتحول فيه الدولة اليمنية إلى غلاف فارغ لمشروع طائفي مسلح عابر للحدود ويدين بولائه لعدو تاريخي وتقليدي لكل ما هو عربي (الفرس) وتزداد حدة تطرفه وسعاره كلما اتجهت البوصلة إلى قلب وجنوب الجزيرة العربية. عاصفة الحزم، في معناها الأعمق، لم تكن حملة لإعادة صنعاء بقدر ما كانت محاولة لوقف الزمن عند لحظة معينة، ومنع الانقلاب من التحول إلى أمر واقع نهائي. لقد أوقفت الانهيار، لكنها لم تُنهِ الأزمة، وهذا فارق مهم في فهم طبيعة الدور السعودي -خصوصاً- لمن يوجه اللوم المستمر لها في عدم حسم المعركة وهذا الأمر المعني به أبناء اليمن أنفسهم، والدور السعودي كان ولا يزال مسانداً بدرجاته القصوى، ذلك الفارق تمثل بمنع الأسوأ، وليس صناعة الحل الكامل كما يتشدق بمطالبتها من يريد الطعن في دورها، والمساهمة في إيجاد حلول تنتشل اليمن من الكارثة التي أوقعه فيها الحوثيون بداية، وبعض الفرقاء في المعسكر المقابل، المعسكر الذي يفترض به إلى جانب كل مكونات الشرعية القيام بدوره في استعادة الجمهورية والقضاء على المشروع الإمامي المرتهن للمشروع الفارسي.

بعد ذلك، دخلت اليمن مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد الصراع واضح الخطوط بين دولة وانقلاب، لقد أصبح شبكة متداخلة من القوى والمصالح. عدن، التي تحولت إلى عاصمة مؤقتة، كانت اختياراً حقيقياً لفكرة الدولة نفسها. وجود حكومة بلا أرض كان سيعني أن الشرعية تحولت إلى ملف دبلوماسي وليس كياناً سياسياً مستقراً على أرضه. هنا لعبت السعودية دور الضامن لعودة الدولة إلى الجغرافيا، حتى وإن كانت هذه الجغرافيا محدودة ومضطربة. فالسياسة، في النهاية، لا تُدار من المنافي إلى الأبد. مهدت الأرضية المناسبة للحكومة، ووضعت طيرانها العسكري والمدني ودفاعاتها الجوية (في عدن) ورجالاتها العسكريين والأموال وكل أنواع الدعم تحت خدمة الشرعية اليمنية ممثلة برئيس الجمهورية ورؤساء حكوماتها المتعاقبة، وكل همها أن تمارس الشرعية مهامها من الداخل وهو ما حدث.. وكنت شاهداً عن قرب ومرافقا للحكومة اليمنية منذ عام 2016 في كل مراحل تواجدها بعدن وحتى اللحظة.

لكن أخطر ما واجه اليمن لاحقاً لم يعد الخصم الخارجي أو الانقلاب الأول، انقسامات داخل المعسكر الذي يفترض به حماية الدولة. يناير 2017 كشف هشاشة هذه المعادلة، حين تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة مسلحة في قلب العاصمة المؤقتة. الاشتباكات حول قصر معاشيق لم تكن معركة على سلطة، لقد كانت لحظة اختبار لوجود الدولة ذاته. لو تُركت تلك المواجهة لتتوسع، لكانت الشرعية انهارت من الداخل، وربما بلا عودة. تدخل السعودية في تلك اللحظة كان ضرورة وجودية وليس خياراً سياسياً، إذ جرى احتواء الموقف، وفرض تهدئة قسرية، وإعادة ترتيب المشهد قبل أن يخرج عن السيطرة، ولعل رواية الضابط السعودي التي تم تداولها الأيام الماضية ودوره في الحفاظ على أمن وسلامة فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي داخل قصر معاشيق قبيل مغادرته عدن أعادت لي مشهد مماثل في العام 2017 عندما كان الهجوم مستعراً على معاشيق وأصوات الأسلحة الثقيلة والاشتباكات باتت تقترب أكثر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
صحيفة عاجل منذ 11 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
صحيفة عاجل منذ 14 ساعة
صحيفة سبق منذ 10 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 14 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ 11 ساعة
صحيفة عاجل منذ 9 ساعات