فى قلب مدينة الصالحية بمحافظة الشرقية، عاش أحمد محمود، مهندس فى الثلاثين من عمره، صيف ٢٠٢٥ تحت وطأة انقطاعات متكررة للتيار الكهربائى مع ارتفاع درجات الحرارة.. بيته الصغير تحول إلى مساحة خانقة، بينما لم يكن جهاز التكييف الحديث قادرًا على أداء دوره بسبب تكرار الانقطاعات.
المشكلة، وفق روايات الأهالى والعاملين فى قطاع الكهرباء، لم تكن فى الأجهزة المنزلية، بل فى المحول الكهربائى المغذى للحى، المُصمَم فى الأصل لخدمة ٢٠٠ منزل، بينما أصبح فعليًا يغذى أكثر من ٣٠٠ منزل نتيجة انتشار الوصلات غير القانونية وسرقات التيار.
هذا الحمل الزائد تسبب فى أعطال متكررة، وانخفاض جودة التغذية، وارتفاع الفقد الفنى والتجارى، وفق أحد الفنيين فى شركة القناة لتوزيع الكهرباء، والذى أوضح أن المحول لم يعد يتحمل الضغوط، ومع تشغيل أجهزة التكييف والسخانات يحدث هبوط أو انقطاع جزئى للتيار، واصفًا الوضع بأنه نموذج مصغر لما يُعرف داخل القطاع بـ«الثقب الأسود» للطاقة.
أما المواطن نفسه فيقول إن «المشترك الملتزم بالسداد قد يدفع فاتورته كاملة، لكنه لا يحصل على خدمة مستقرة، فى ظل استنزاف جزء من الطاقة بسبب السرقات، ما يضاعف العبء على الشبكة وعلى المشتركين الملتزمين».
تعكس هذه الصورة جانبًا من ملف الفقد الكهربائى على مستوى الجمهورية، وهو ما نستعرض بعضًا من ملامحه وتفاصيله فى هذا التحقيق.
الفقد يصل لـ29%.. والدولة تواجه الأزمة بالحملات و«العدادات الذكية»
كشف الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، عن أن نسبة الفقد بلغت نحو ١٨٪ على مستوى الجمهورية، خلال عام ٢٠٢٥، واصفًا الفقد التجارى بأنه يمثل تحديًا كبيرًا.
وأضاف وزير الكهرباء، فى تصريح خاص لـ«الدستور»، أن الوزارة تتحرك عبر عدة مسارات لمواجهة ذلك التحدى، تشمل التوسع فى تركيب العدادات الذكية، وتفعيل الضبطية القضائية، وحملات شرطة الكهرباء، إلى جانب جهود توعية المواطنين.
وتُقدّر البيانات الرسمية حجم الضرر السنوى الناتج عن الفقد بنحو ٣٠ مليار جنيه، فى وقت تدعم فيه الدولة قطاع الكهرباء بحوالى ١٧٠ مليار جنيه سنويًا. ويتوزع الفقد الكهربائى بين الفقد الفنى الناتج عن طبيعة نقل وتوزيع الكهرباء عبر شبكات ممتدة لآلاف الكيلومترات، والفقد التجارى الذى يشمل سرقات التيار، والتلاعب فى العدادات، وعدم تسجيل الاستهلاك الفعلى.
وفى ديسمبر ٢٠٢٥، صرّح وزير الكهرباء لـ«الدستور» بأن الفقد موزع بين ٧٪ فنى و١١٪ تجارى. بينما أشارت بيانات قُدمت للبرلمان، فى يناير ٢٠٢٦، إلى أن النسبة ٢٠٪، وقد تصل إلى ٢٩٪ فى بعض المناطق والفترات.
ويرتبط هذا التباين بصعوبة حصر الاستهلاك فى المناطق العشوائية والمبانى المخالفة قبل اكتمال منظومة العدادات الذكية والكودية، وهو ما يتسق مع تقرير البنك الدولى ٢٠٢٤، الذى يشير إلى أن الفقد التجارى فى الدول النامية غالبًا ما يتجاوز ٥٠٪ من إجمالى الفاقد.
وتشير المؤشرات الرقمية إلى أن إجمالى الفاقد القومى المرصود برلمانيًا يبلغ ٢٠٪، وأن نسبة الفاقد الفنى المعترف بها حكوميًا تدور حول ١٠٪.
وتصل التكلفة السنوية المباشرة للفاقد والسرقات إلى ٣٠ مليار جنيه، مقابل قيمة محاضر سرقات ٢٣.٥ مليار جنيه، علمًا بأن حجم الطاقة المفقودة نتيجة السرقات المكتشفة يبلغ ٤.٦ مليار كيلووات ساعة.
ويرتبط ارتفاع الفقد الفنى بتقادم بعض مكونات الشبكة، ووجود كابلات متهالكة، إضافة إلى الأحمال الزائدة خلال موجات الحرارة. وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية، فى تقرير «World Energy Outlook 2025» إلى أن الفقد الفنى فى الدول المتقدمة لا يتجاوز ٢٪، بينما قد يصل فى الدول النامية إلى ٢٥٪.
وفيما يتعلق بسبل مواجهة الفقد التجارى، أكد وزير الكهرباء أن الوزارة توسعت فى العدادات الذكية، وتفعيل الضبطيات القضائية، إلى جانب حملات شرطة الكهرباء، مشيرًا إلى ضبط حالات تلاعب باستخدام أجهزة تحكم عن بعد فى العدادات مسبوقة الدفع.
وقال منصور عبدالغنى، المتحدث الرسمى لوزارة الكهرباء، فى تصريح لـ«الدستور»: «نجحنا فى تركيب ٢.٥ مليون عداد كودى، خلال الفترة من يناير ٢٠٢٥ حتى بداية يناير ٢٠٢٦، للحد من سرقات الكهرباء، وتقليل الفقد الفنى والتجارى»، لافتًا إلى أن إجمالى محاضر سرقات التيار بلغ نحو ٤.٦ مليار كيلووات ساعة، بقيمة مالية تصل إلى ٢٣.٥ مليار جنيه. وأضاف «عبدالغنى» أن شركات التوزيع التسع تمكنت من استرداد ١٣.٥ مليار جنيه بما يعادل ٢.٦ مليار كيلووات ساعة، بينما تم شحن ٤.٧ مليار جنيه فى العدادات الكودية الجديدة، ما أسهم فى استعادة الطاقة المفقودة التى كانت تُسرق سابقًا. واختتم بقوله:.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
