القبائل البدائية كانت تغنّي لأرواح قتلى أعدائها، تطلب منها المسامحة، وتذكرها بأنَّ ما جرى لم يكن أكثرَ من صراع على العشب والكلأ، على المأكل والمشرب. وبأنَّ المواقعَ كان ممكناً أن تتبدَّل، فيصير القاتلُ مقتولاً. اعتراف صريح بالواقع بلا بطولة ولا قداسة، يتحرك في وعي الإنسان بالطبيعة.
ثم اكتشف الإنسان الكلمة، وقدرتها الهائلة على تشكيل الوعي بالواقع، وعلى نقل الصراع من الأرض إلى السماء. وليس المقصود بالسماء هنا الدين، بل القيم المتسامية التي تقدم نفسها باعتبارها بلا غرض ذاتي، وبلا مصلحة مباشرة. عند هذه اللحظة، تزاوج حب السيطرة مع الكلمة زواجاً مثمراً. لم تعد الهيمنة فعلاً أرضياً عارياً، بل اكتست مشروعاً أخلاقياً، وروجت بكلمات تخفف مقاومة الآخرين، وتحول الجدل بعيداً عن جوهره.
فعلت الكلمة ما هو أخطر؛ جعلت النصّ الجيد مقدماً على ملاحظة الواقع، وجعلت الفكرة ملموسة للوعي أكثر من التجربة، وجعلت الصياغة أهم من الاختبار. صار النص مركز الفلك، وأي اختلاف مع هذا النص خطأ أخلاقياً. فإن أثبتت التجربة فشل النص، صارت هي المتهمة.
يبدو مما سبق أن الكلمة كانت الطرف الخدوم في زواجها مع التسلّط. الحقيقة لا. الكلمة استخدمت التسلط بقدر ما استخدمها، حيث صار القمع حتمياً لحشر التجربة في مقاس النص. لم يعد فعلاً شائناً، بل تقويم لانحراف الآخرين. إن لم يطابق الواقع الكلمة، فلا بد من إجباره على ذلك، بدلاً من مراجعتها ونقدها.
في العصر الحديث، كانت الاشتراكية المثال الأوضح على هذا المسار. روجتها الكلمة بوصفها وعداً بالمساواة والتوزيع العادل للثروة. غير أن هذا كان مجرد تبرير. أما جوهرها، فلم يتجاوز قط اعتقاد مجموعة معينة بأحقيتها من دون غيرها في التحكم.
والمفارقة أن هذه الأحقية اكتُسبت من الكلمة. في دائرة مفرغة يغذي أحدهما الآخر. نصوص في عقل شخص أو نخبة، أجادوا صياغتها، بحيث كانت أعلى قليلاً من الوعي الشائع، لكنَّها تظلُّ في متناول البصر إن نظر إلى أعلى. كثيراً ما نسمع دوائر الثقافة، لا سيما في اليسار، تتحدث عن «الكيتش»، الجمال السطحي الفارغ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
