مادة إعلانيـــة في كل صباح تقريبًا، تتكرر الصورة نفسها في مئات المؤسسات. قاعة اجتماعات كبيرة، شاشة مضاءة، عرض تقديمي مليء بالأرقام، وجوه متجهمة تحاول أن تفهم ما الذي حدث خلال الشهر الماضي. أحدهم يشير إلى ارتفاع التكاليف، آخر يبرر تأخر التنفيذ، وثالث يقترح خطة تصحيحية جديدة. الجميع يعمل بجد، والجميع صادق في محاولته، ومع ذلك يخرجون من الاجتماع وهم يشعرون بأنهم دائمًا متأخرون خطوة عن الواقع. كأن المؤسسة تركض خلف الأحداث بدل أن تقودها.
المفارقة أن المشكلة لا تكون في نقص البيانات. بالعكس، الأرقام في كل مكان. تقارير أسبوعية، ولوحات قياس، مؤشرات أداء، جداول تفصيلية، رسومات بيانية ملونة. كل شيء يوحي بالاحتراف. لكن حين تسأل سؤالًا بسيطًا: «ماذا سيحدث الشهر المقبل؟» يسود الصمت. لأن كل ما نملكه في الحقيقة هو وصف دقيق لما حدث بالأمس.
وهنا يكمن الفرق بين الإدارة والقيادة.
الإدارة تجيد التوثيق. القيادة تجيد الاستباق.
لسنوات طويلة، تعودت مؤسساتنا أن تعتبر التقرير إنجازًا بحد ذاته. كلما كان التقرير أكبر، شعرنا براحة أكبر. كأن كثرة الصفحات تعني كثرة الفهم. لكن الواقع أكثر قسوة. التقرير، مهما كان متقنًا، هو شهادة وفاة لحدث انتهى. هو تسجيل للماضي، لا أداة لصناعة المستقبل. قد يخبرك أن العطل وقع، وأن التكلفة ارتفعت، وأن الأداء انخفض، لكنه لا يمنحك القدرة على منع ذلك قبل وقوعه.
أتذكر مديرًا تنفيذيًا قابلته قبل أعوام، كان يفتخر بتقرير شهري يتجاوز المئة صفحة. تفاصيل مذهلة عن التشغيل، الموارد، العقود، الأعطال، والإنجازات. عمل دؤوب بلا شك. لكن في نهاية العام، واجهت مؤسسته أزمة تشغيلية كبيرة. تراكمت البلاغات، تأخرت الخدمات، وارتفعت التكاليف بشكل غير مسبوق. سأل فريقه سؤالًا بسيطًا: «إذا كنّا نعرف كل شيء بالأرقام، لماذا لم نرَ الأزمة قبل أن تضربنا؟» لم يكن لديهم جواب. لأنهم كانوا ينظرون دائمًا في المرآة الخلفية.
القيادة بالمرآة الخلفية تصلح لمعرفة ما تركته وراءك، لكنها لا تحميك من الحفرة القادمة.
هذا النمط ليس استثناءً. هو القاعدة. نحن بارعون في شرح الفشل بعد وقوعه. نعقد ورش عمل لاستخلاص الدروس، نكتب تقارير تحليل الأسباب الجذرية، نصيغ خططًا تصحيحية، ثم نعود للدورة نفسها. نبرع في تفسير الماضي أكثر مما نبرع في منع تكراره. كأننا نتقن التشريح، لكننا لا نتقن الوقاية.
المشهد يتغير فقط حين تتغير طريقة التفكير. حين تتحول الأسئلة من «ماذا حدث؟» إلى «ماذا سيحدث؟». الفارق بين السؤالين بسيط لغويًا، لكنه عميق استراتيجيًا. الأول يجعلنا مؤرخين. الثاني يجعلنا صناع قرار.
في إحدى الجهات الخدمية، قرر فريق القيادة تجربة نهج مختلف. بدل عرض عدد الأعطال التي حدثت خلال الشهر، بدأوا بتحليل أنماط الأعطال خلال السنوات الماضية. متى تزيد؟ في أي مواقع؟ تحت أي ظروف؟ اكتشفوا أن هناك إشارات مبكرة كانت تتكرر قبل كل موجة أعطال كبيرة: ضغط تشغيلي مرتفع، تأخر في الصيانة الوقائية، ونقص بسيط في قطع الغيار. لم تكن المشكلة مفاجئة كما ظنوا. كانت مرئية، لكنهم لم ينظروا لها بالطريقة الصحيحة. بعد أشهر قليلة من استخدام التحليل التنبؤي، انخفضت الأعطال بشكل ملحوظ. لم يفعلوا شيئًا سحريًا. فقط توقفوا عن وصف الماضي وبدأوا في قراءة المستقبل.
الفكرة هنا ليست تقنية بقدر ما هي ذهنية. كثيرون يظنون أن التحول إلى التنبؤ يعني شراء منصة ذكاء اصطناعي متقدمة أو التعاقد مع شركة استشارية ضخمة. الحقيقة أبسط من ذلك. يمكن لنموذج إحصائي بسيط أن يتنبأ بالطلب القادم أفضل من حدس أكثر المديرين خبرة. ليست القضية في تعقيد الأداة، بل في شجاعة السؤال.
حين تسأل: «كم أنجزنا؟» فأنت تغلق الباب. حين تسأل: «إذا استمررنا بهذا المعدل، أين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
