تتربَّعُ مكَّة المكرَّمة على عرش الحضارة الإنسانيَّة منذ فجر التَّاريخ، إذ كانت -وما تزال- ملتقى الشُّعوب ومهبط الوحيِّ، تكتسبُ من كلِّ زائرٍ ومقيمٍ نفحاتٍ من العادات والثقافات، فتتداخل وتتجلَّى في لوحة اجتماعيَّة فريدة. لم يكن هذا مجرَّد رأيٍ شخصيٍّ، بل عمق تاريخي، شهد عليه القاصي والدَّاني، كما شهد عليه الرحَّالة والمستشرقُونَ، الذين أبهرهم تنوُّع التراث المكيِّ وعمقه، خاصَّةً في احتفائه بالمناسبات المختلفة، وكرم الضيافة الفريد.
خلال الموسم الثقافيِّ الماضي، استضفنا الدكتورة سماح باحويرث من جامعة طيبة، تحدَّثت عن المستشرق الهولنديِّ سنوك هرخورنيه، المعروف بـ»سنوكة»، الذي أقام في مكَّة المكرَّمة 1885م متخفِّيًا، وتحدَّثت عن بعض ما ورد في كتابه «صفحات من تاريخ مكَّة»، وهو دراسة ميدانيَّة مفصَّلة عن مكَّة المكرَّمة، وعادات مجتمعها، ركَّز في الجزء الثَّاني من الكتاب على الأوضاع الاجتماعيَّة، التعليميَّة، الاقتصاديَّة، واصفًا بدقَّة الحارات، المطوِّفين، عادات الزَّواج، واللِّباس، والمناسبات الدِّينيَّة والاجتماعيَّة، مستمدًّا معلوماته من احتكاكه المباشر بالمجتمع في المساجد والمقاهي.
كان التفاعل مع التراث المكيِّ كبيرًا؛ لأنَّ معظمنا لازالت ذاكرته زاخرةً بكثير من التَّفاصيل، إلَّا أنَّ إحدى الحاضرات اعترضتْ على التَّركيز على مكَّة وحدها، عند الحديث عن الحجاز، متجاهلةً حقيقة أنَّ مكَّة هي المدينة الأبرز في الحجاز، إذ تستقبلُ سنويًّا حجَّاج بيت الله الحرام من مختلف بقاع الأرض. هذا التنوُّع الثقافيُّ أضفى على المجتمع المكيِّ روحَ التَّعاضد والتَّعاون، فباتت الأفراحُ والأحزانُ مناسباتٍ يتشارك فيها الجميعُ. من الطبيعيِّ أنْ يتبادل المجتمعُ المكيُّ التأثيرَ مع المجتمعات الوافدة، فيأخذُ من كلِّ ثقافتها جزءًا، ويضيف إليها نكهته الخاصَّة، حتَّى في الأطعمة التي احتفظت بمسمَّياتها الأصليَّة، لكن تغيَّرت مكوِّناتها وطريقة إعدادها. هذا التبادل الثقافيُّ لا ينتقصُ من أصالة المجتمع، بل يعكسُ روحَ حوار الحضارات، ويؤكِّد أهميَّة الانفتاح والتَّعايش.
تُعدُّ الشعبنة من أبرز المناسبات الاجتماعيَّة في مكَّة المكرَّمة، وقد استمرَّت لأكثر من تسعين عامًا بحسب المصادر، حيث يحتفي بها المكيُّونَ في شهر شعبان، استعدادًا لشهر رمضان المبارك. هذه المناسبة، التي نشأت في مجتمعٍ لا يملك.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
