تتمسّك الشركات العاملة في العراق بنبرة تفاؤل حذر، رغم انسداد سياسي طال أمده وتزايد الضغوط الإقليمية. ويأتي هذا الحذر في وقت لا يزال فيه مسار التعافي الاقتصادي في مراحله الأولى، وسط بيئة أعمال تتأثر بعوامل داخلية وخارجية متداخلة.
ووفق تقديرات لدوائر الأعمال نقلها موقع AGBI، فإن تصاعد الاضطرابات في إيران بدأ يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى المشهد الاقتصادي العراقي، مع مخاوف من تأثير محتمل على ثقة المستثمرين وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، قال ديفيد تانورجي، مدير العمليات في شركة التوظيف «إم سيليكت» (M Select)، إن حالة عدم اليقين في إيران انعكست على مزاج الأعمال في العراق، موضحاً أن الشركات باتت أكثر تدقيقاً في تقييم المخاطر الأمنية وتعقيدات سلاسل الإمداد، مع استمرار «غالبية الشركات» في العمل كالمعتاد.
ويشارك التنفيذيون العاملون في السوق العراقية هذا التقييم الواقعي، إذ قال حسام لبادي، مدير شركة «المجال إنيرجي» (AlMajal Energy) للخدمات النفطية، إن «الأعمال مستمرة»، مشيراً إلى أن «الموقع الجغرافي للعراق بحد ذاته ينطوي على مخاطر معروفة».
أزمة إيران تختبر خوارزميات تداول النفط بعد 3 سنوات من الخسائر
جمود سياسي وضغوط خارجية
على الصعيد السياسي، لم تُسفِر الانتخابات العامة التي أُجريت في نوفمبر الماضي عن أغلبية واضحة، ما دفع القوى السياسية إلى مفاوضات مطوّلة لتشكيل حكومة ائتلافية، غير أن هذه العملية تعثّرت بفعل استمرار الجمود السياسي وتضارب المصالح.
وفي موازاة ذلك، صعّدت الولايات المتحدة ضغوطها على بغداد منذ اندلاع احتجاجات دامية في إيران أواخر ديسمبر، مطالبة باستبعاد «الجماعات المدعومة من طهران» من الحكومة المقبلة. كما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيرات مباشرة من إعادة نوري المالكي، رئيس وزراء العراق بين عامي 2006 و2014، إلى واجهة المشهد السياسي، مستنداً إلى علاقاته الوثيقة مع إيران، وفق AGBI.
ولم تقتصر الضغوط الأميركية على المسار السياسي، إذ لوّحت واشنطن بتقييد إمدادات الدولار المستخدمة في دعم مبيعات النفط العراقية، وهي آلية أساسية للاستقرار المالي وتيسير التجارة. ورغم ذلك، لا يزال العراق ثاني أكبر مستورد للسلع الإيرانية، فيما شهدت التجارة الثنائية نمواً لافتاً خلال السنوات الأخيرة. كما يخطط البلدان لتنفيذ مشروع سكة حديد بطول 36 كيلومتراً يربط مدينة البصرة بالحدود الإيرانية.
عملات ورقية من الدينار العراقي بيد أحد الصرافين في مدينة البصرة، جنوب العراق، يوم 12 ديسمبر 2023.
تدفقات الدولار تحت المجهر الأميركي
منذ عام 2022، شدّدت الولايات المتحدة الرقابة على تدفقات الدولار إلى العراق، وتمكّنت معظم الشركات من التكيّف مع الواقع الجديد، بحسب مهدي لغماري، المحلل في شركة «كونترول ريسكس» (Control Risks)، غير أنه شدّد على أن الإشارات الصادرة من واشنطن تبقى ذات أثر حاسم، موضحاً أن «إظهار القدرة على تشديد الوصول إلى الدولار يبعث برسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على إحداث اضطراب اقتصادي واسع إذا ما اقتربت الحكومة المقبلة أكثر من إيران».
وحذّر لغماري من أن تفعيل هذه التهديدات قد يترجم إلى تقلبات حادة في سعر الصرف، واضطرابات في أنظمة المدفوعات، وتشديد القيود على الاستيراد، ما يعني ارتفاع تكاليف التشغيل وتآكل الهوامش، إضافة إلى «تأجيل محتمل لخطط الاستثمار أو التوسع إلى حين اتضاح المشهد».
وقد التقطت الأسواق هذه الإشارات سريعاً، إذ سجّل الدينار العراقي تراجعاً حاداً الأسبوع الماضي، مع ارتفاع سعر 100 دولار بنحو 8 آلاف دينار ليصل إلى 132 ألف دينار بين 26 و28 كانون الثاني. وقال عمار شبر، الشريك في شركة «مانجمنت بارتنرز» (Management Partners) الاستشارية في العراق، إن «الشركات لا تعيش حالة ذعر، لكنها باتت تعمل بأفق زمني أقصر، مع تركيز واضح على حماية التسويات والسيولة واعتماد تسعير دفاعي».
انتقال اقتصادي وفرص كامنة
في المقابل، يرى بعض المستشارين أن الاضطرابات في إيران قد تُسهم، على المدى المتوسط، في تعزيز الجاذبية النسبية للعراق كوجهة استثمارية، وقال أحمد الحيدري، زميل شبر، إن العراق «يمر بمرحلة انتقال من عولمة ما بعد النزاع إلى توسّع تقوده البنية التحتية وقطاع الطاقة»، معتبراً أن هذا التحوّل يفتح الباب أمام فرص واسعة، وأشار إلى الطلب المرتفع على الكهرباء، والمياه، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والسلع الاستهلاكية.
ولفت الحيدري إلى أن عدد سكان العراق بلغ نحو 46 مليون نسمة، مدعوماً بموقع استراتيجي يربط الخليج بتركيا، إضافة إلى تسجيل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1% في عام 2025. وفي هذا السياق، أشاد «صندوق النقد الدولي» (IMF) بقدرة العراق على الحفاظ على الاستقرار الداخلي رغم الاضطرابات الإقليمية، لكنه خفّض توقعاته للنمو في عام 2026 إلى 1.4% على خلفية تراجع أسعار النفط وارتفاع مستويات الدين.
وساهمت الإصلاحات الحكومية في دعم هذا التوجّه، إذ خفّضت السلطات مستويات البيروقراطية، وعدّلت شروط التعاقد مع شركات النفط العالمية، متحوّلة من عقود الخدمة الفنية ذات الرسوم الثابتة لكل برميل إلى نماذج أكثر مرونة قائمة على تقاسم الأرباح.
العراق يربط إنتاج الغاز بتعزيز أمن الطاقة
اهتمام استثماري متواصل
لا يزال الاهتمام الاستثماري قائماً، لا سيما من دول الخليج، مع تركيز خاص على جنوب العراق المحاذي للسعودية والكويت، كما أعلنت سلطنة عُمان رغبتها في المشاركة في مشروع بقيمة 17 مليار دولار لإنشاء خط سكة حديد وطريق سريع يربطان العراق بتركيا.
وقال «مجلس الأعمال العراقي البريطاني» لموقع (AGBI) إن عدد أعضائه البالغ 80 عضواً ينمو بمعدل 10% سنوياً، وعزا متحدث باسم المجلس هذا التوسع إلى عودة جزء من استثمارات الجاليات العراقية في الخارج، واستمرار تدفقات إيرادات النفط، وتطوير قطاع الغاز، إلى جانب خطط استثمارية تُقدّر بنحو 800 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

