ما هي الأسباب الحقيقية لحدوث الصداع النصفي، وكيف يمكن التخلص منه؟

مصدر الصورة: BBC

بدأ فهمنا لاضطراب الصداع النصفي يتغير أخيراً، وتتغير معه المفاهيم السائدة حول حالات الصداع العرضية وتلك الناتجة عن أسباب محفزة، وكذلك أي جزء في الدماغ قد يكون مسؤولاً عن تطوير علاجات فعالة لهذه الحالة.

وفي هذا المقال، الذي تعاني كاتبته من الصداع النصفي، ننطلق في رحلة لفهم أسباب الصداع والبحث عن المحفزات أيا كان نوعها سواء بيئية أو نفسية أو جينية أو حتى لها علاقة بالطعام والروائح التي نشمها. وجاء في المقال:

أعاني من الصداع النصفي مرتين أسبوعياً تقريباً، وينتابني شعور في الجانب الأيسر من رأسي وكأن هناك مساحة كبيرة بين دماغي (المخ) وجمجمتي. وعندما أميل برأسي، تمتلئ تلك المساحة بألم خفيف وأشعر بتحرك لسائل. ويتسلل الألم خلف عيني، حيث يستقر كخنجر مغروس في تلك المنطقة، ثم يمتد إلى أسفل حتى يصل إلى الفك.

وإذا حاولت تحريك العين يميناً أو يساراً أشعر بحرقة وطنين في مؤخرة الدماغ. وفي أحيان أخرى، أشعر بنبضات ألم ودقات مكتومة، كما لو كان (الصداع) يطرق الباب ويطلب الخروج.

وكلما تأخرت في تناول الدواء وزادت شدة الألم، استغرق الأمر وقتاً أطول للسيطرة عليه، وازدادت احتمالية عودته بمجرد زوال مفعول الحبوب. إنه الصداع النصفي (الشقيقة).

هناك أكثر من 1.2 مليار شخص حول العالم خاضوا تجربة مشابهة لتجربتي. لكن هذا الاضطراب العصبي هو ثاني أكثر أسباب الإعاقة شيوعاً في العالم. ومع ذلك، ورغم شيوعه وآثاره المنهكة، لا يزال الصداع النصفي لغزاً محيراً.

وهناك العديد من الأسئلة بدون إجابة حول ما هو الصداع النصفي، وأسبابه، وكيفية التخلص منه نهائياً.

ويصفه غريغوري دوسور، رئيس قسم العلوم السلوكية والدماغية في جامعة تكساس في دالاس بالولايات المتحدة، بقوله "أعتقد أنه من بين أكثر الاضطرابات العصبية، أو الاضطرابات بشكل عام، غموضاً".

بدأ الباحثون الآن في كشف أسباب الصداع النصفي، بل وتمكنوا مؤخراً من رصد نوبة صداع وقت حدوثها وكانت على شكل إشارات كهربائية تنبض في دماغ المريض.

كما اقترب العلماء من فهم أسباب الصداع النصفي، وكيفية علاجه، ولماذا هو أعمق من كونه مجرد حالة صداع مزعجة، ليتحول إلى تجربة مزمنة تؤثر على الجسم بأكمله، وذلك من خلال دراسات على الجينات والأوعية الدموية وجزيئات التركيبة التي تدور في رؤوس المرضى.

لماذا يصعب دراسة الصداع النصفي؟ منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان يُنظر إلى الصداع النصفي على أنه صفة أو طبيعة نسائية، تصيب فقط النساء الذكيات والجذابات والجميلات ذوات "الشخصية المصابة بالصداع النصفي". ونظراً لأن ثلاثة أرباع مرضى الصداع النصفي من النساء، فإن هذه الوصمة التي استمرت لقرون طويلة أعاقت أبحاث الصداع النصفي، وأدت إلى نقص مزمن في تمويلها.

تقول تيشامي مونتيث، رئيسة قسم الصداع في النظام الصحي بجامعة ميامي في الولايات المتحدة: "كان الناس يعتقدون أنه مرض هستيري". وحتى اليوم، لا يوجد سوى عدد قليل جداً من الجامعات التي تمتلك مراكز أبحاث متخصصة في الصداع النصفي، والاستثمارات في هذا المجال قليلة مقارنة بمجالات بعض الأمراض العصبية الأخرى.

مصطلحات الصداع النصفي لم يعد الخبراء يستخدمون مصطلح "الصداع النصفي"، لأنه يشير إلى أن الصداع هو المرض نفسه وليس مجرد أحد أعراض مرض. وبدلاً من ذلك، يحثون الجميع الآن على استخدام مصطلح "اضطراب الصدع النصفي"، ويعني هذا اعتبار "نوبات الصداع النصفي" من تداعيات المرض الأساسي، والذي يظهر تأثيره في أعراض متنوعة منها الصداع.

يعرف الصداع النصفي العرضي بأنه حالة يعاني فيها المريض من حوالي 15 نوبة صداع شهرياً. أما الصداع النصفي المزمن فتزداد فيه نوبات الصداع عن هذا العدد.

ومع ذلك، فإن العبء النفسي والجسدي والاقتصادي للصداع النصفي حقيقي جداً، كما يقول مونتيث.

تشيع أعراض الصداع النصفي في مرحلة عمرية هامة في حياة الإنسان تمثل ذروة قدرته على الإنتاج، وهي من منتصف العشرينات وحتى منتصف الخمسينات، ويؤثر هذا على قدرة الإنسان ويجعله أكثر عرضة للتغيب عن العمل، وفقدان وظيفته، والتقاعد المبكر.

وتشير بيانات من بريطانيا إلى أن تكلفة علاج شخص عمره 44 عاماً ويعاني من الصداع النصفي، تصل إلى 19,823 جنيهاً إسترلينياً (27,300 دولار أمريكي) إضافية سنوياً مقارنة بشخص لا يعاني منه، وهو ما يعني أن تكلفة الصداع النصفي على الاقتصاد العام تبلغ 12 مليار جنيه إسترليني (17 مليار دولار أمريكي) سنوياَ.

ومن التحديات التي تواجه دراسة الصداع النصفي اتساع نطاق أعراضه.

ومثل معظم المصابين بالصداع النصفي، فأنا امرأة في سن الإنجاب. وتُعد نوبات الصداع جزءاً لا يتجزأ من حياتي خاصة مع بداية الدورة الشهرية. وعادة ما يصيبني الصداع في الجانب الأيسر من رأسي، ويزداد سوءاً مع الحركة. ويسبق ذلك حساسية شديدة للروائح، وأحياناً أشعر بتيبس في كتفي وذراعي الأيسر.

لكن قد تزداد بعض الأعراض لدى مرضى أخرين، لتشمل الغثيان والقيء، والدوار، وآلام المعدة، وزيادة الحساسية للضوء والصوت.

بينما يعاني أكثر من نصف المرضى من إرهاق شديد، وقد يجد البعض الآخر أنفسهم في حاجة لتناول أطعمة معينة. وينتاب آخرون حالات تثاؤب بكثرة في المراحل المبكرة.

ويعاني حوالي 25 في المئة من المرضى من هالات بصرية، وهي عبارة عن رؤية أضواء ساطعة حادة أو ضبابية تشبه تسرب الضوء من كاميرا الفيلم.

يقول دوسور: "إن نوبة الصداع النصفي الكاملة لا تزال أمرا معقدا للغاية. فهي ليست مجرد ألم، بل سلسلة كاملة من الأحداث التي تبدأ قبل الشعور بالصداع بفترة طويلة".

وتتنوع المحفزات التي يُعتقد أنها تؤجج نوبة الصداع النصفي: بالنسبة لي فإن قلة النوم والصيام يُحفزان الصداع بالتأكيد، بينما يُشير مرضى آخرون إلى أن تناول الشوكولاتة أو الجبن المُعتق أو القهوة أو النبيذ الأبيض تمثل محفزات للصداع النصفي.

ويبدو أن هناك علاقة وثيقة بين التوتر والصداع النصفي لدى غالبية المرضى، ومن المثير للاهتمام أن التخلص من التوتر يرتبط به أيضاً، وهذا ما يُفسر شيوع نوبات الإصابة نهاية الأسبوع.

المحفزات مقابل الأعراض رغم أن كثرة محفزات أو مسببات الشعور بالصداع النصفي حيرت العلماء لفترة طويلة، إلا أن عدة أبحاث تشير الآن إلى أن العديد من هذه المحفزات قد تكون مجرد مظاهر لأعراض مبكرة.

قد يبحث المريض لا شعورياً عن أطعمة معينة في بداية النوبة، مثل الشوكولاتة أو الجبن. وهذا يعني أنه من السهل ربط تناول هذا الطعام بتحفيز نوبة الصداع، لكن الشعور بالألم قد يكون قد بدأ بالفعل، كما تقول ديبي هاي، أستاذة علم الأدوية والسموم في جامعة أوتاغو في دنيدن، نيوزيلندا.

بالنسبة لي، تساءلت دائماً عما إذا كان العطر الذي استخدمه مسؤولاً عن نوبات الصداع النصفي التي أعاني منها. مع ذلك، فأنا أستخدم العطر يومياً، وبالكاد ألاحظ رائحته، لذلك لا يمكن إلقاء اللوم عليه في نوبات الصداع التي تصيبني بالفعل. كما أنني في حالة لم أصب بالنوبة فلا ألقي بالاً للرائحة التي أشمها كثيراً.

وعن فكرة الروائح وتأثيرها على نوبات الصداع النصفي، يقول بيتر غودسبي، أستاذ علم الأعصاب في كلية كينغز كوليدج لندن بالمملكة المتحدة: "هذا مثال كلاسيكي، وقد تكون هذه العلاقة السببية خاطئة".

وبالنسبة للمرضى الذين يشعرون أن الضوء يحفز نوبات الصداع، حلل غودسبي صوراً دماغية لهم وقارنها بمرضى آخرين لكنهم لا يعتقدون أن الضوء يؤثر على بدء شعورهم بالألم.

ووجد أن المجموعة الأولى لديها فرط نشاط في الجزء المسؤول عن الرؤية في الدماغ قبيل إصابتهم بالصداع النصفي مباشرة، مما يشير إلى أنهم، في تلك اللحظة، كانوا مهيئين بيولوجياً ليكونوا أكثر حساسية للضوء من غيرهم.

ويعلق غودسبي: "لا شك أن هناك شيئاً ما يحدث بيولوجياً".

لكن السعي لاكتشاف هذه الآلية البيولوجية الكامنة كان رحلة طويلة.

الأصل الجيني للصداع النصفي كشفت دراسات على التوائم وجود مُكوّن وراثي قوي، وأنه إذا كان أحد والديك أو أجدادك مصاباً بالصداع النصفي، فمن المرجح إحصائياً أن ترث هذه الحالة العصبية أيضاً. يبدو أن الجينات الموروثة تلعب دوراً في حوالي من 30-60 في المئة من معاناة الأشخاص من الصداع النصفي، بينما ترجع النسبة المتبقية إلى عوامل خارجية تراكمية أخرى، مثل تاريخ الحياة والبيئة والسلوك، كما يقول ديل نيهولت، عالم الوراثة في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا في أستراليا.

يُجري نيهولت فحوصات لآلاف الأشخاص لتحديد الجينات المسؤولة عن هذا الخلل، لكنه يقول إن البحث كان "أكثر تعقيداً مما كنا نأمل".

في عام 2022، قام بتحليل جينات 100 ألف مريض بالصداع النصفي، وقارنها بجينات 770 ألف شخص لا يعانون من الصداع النصفي.

وحدد 123 "موقع خطر" - اختلافات طفيفة في الشفرة الوراثية للأفراد، مرتبطة بالصداع النصفي. ويجري الآن اختباراً آخر على 300 ألف مريض بالصداع النصفي على أمل اكتشاف المزيد، ويقدر أن عدد هذه المواقع الخطرة "ربما بالآلاف".

مع ذلك، كشف تحليل نيهولت بالفعل أن بعض المؤشرات الجينية المرتبطة بالصداع النصفي تبدو مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاكتئاب والسكري، فضلاً عن حجم بعض التراكيب في الدماغ.

الدم مقابل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
قناة العربية منذ 20 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 11 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 11 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 9 ساعات
قناة العربية منذ 19 ساعة
قناة العربية منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 12 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة