أجيال متتابعة من جمهور الأغنية الخليجية تحفظ أغنية "من بعد مزح ولعب" عن ظهر قلب.. يرددونها مع عبد المجيد عبدالله في حفلاته، ويستخدمونها في مقاطعهم على منصات التواصل الاجتماعي. وحتى يومنا هذا، تكون الاغنية قد ارتحلت عبر الذاكرة طوال ستة عقود متتالية، بعدما كُتبت في بداية التسعينيات كتصريحات عاطفية فخورة لصبية متمردة على كل ما هو تقليدي..
كانت الشاعرة السعودية ثريا قابل تحمل في سنّ الطفولة مشاعر إعجاب بابن عمّها. ومع مرور السنوات، تحوّلت تلك المشاعر إلى علاقة ناضجة تُوّجت بالزواج عام 1963، فكتبت حينها البيتين الشهيرين: "من بعد مزح ولعب / أهو صار حبك صحيح وأصبحت مغرم عيون / وأمسيت وقلبي طريح".
بعد الزواج، توقفت ثريا عن الكتابة لأشهر طويلة، تحت وطأة حملة من الانتقادات، كونها أول سعودية تخوض غمار القصيدة العاطفية باسمها الحقيقي. إلا أنّ تلك التجربة لم تُخمد صوتها، بل صقلته؛ فكتبت لاحقًا عن عواطفها بأسلوب بسيط، رقيق، وصادق، قائلة: "وأنا الذي كنت أهرج والكل حولي سكوتوصرت أتلعثم واسكت وأحسب حساب كل صوت".
وبعد نحو ستة أشهر، شاءت الأقدار أن يُصاب ابنها حسام بمرض، فرافَقته خلال فترة علاجه في المستشفى. هناك، ومن قلب أمٍّ موجوعة، كتبت كلمات مشبعة بالحنان والخوف والرجاء: "والله يا أحلى عمري في عيوني مالك مثيلتساوي الروح وأكثر وتكون عنها بديل ". في هذه المرحلة، رسّخت ثريا أسلوبها القائم على الكلمة القريبة من الناس، والبسيطة في تركيبها، وهو الأسلوب الذي أصبح لاحقًا أحد أسرار نجاح الأغنية العربية.
لكنّ تحوّل قصيدة "من بعد مزح ولعب" إلى أغنية شهيرة، تقف خلفه حكاية أخرى. فقد شكّلت ثريا قابل ثنائيًا فنيًا لافتًا مع الموسيقي الراحل فوزي محسون، وكتبت له قصيدة غنائية بعنوان "لا وربي". غير أنّ هذه الكلمات، التي لحنها محسون، ذهبت إلى صوت محمد عبده، بناءً على إلحاح من الأمير الشاعر عبدالله الفيصل ومحمد حسين أصفهاني.
رغبةً منها في تعويض فوزي محسون، منحته ثريا قصيدة "من بعد مزح ولعب"، فقام بتلحينها وغنائها. وسُجّلت الأغنية وبُثّت عبر التلفزيون السعودي في أوائل الستينيات، لتلقى استحسان الجمهور وتحقق انتشارًا واسعًا، ما دفع عددًا من الفنانين إلى إعادة أدائها لاحقًا، من بينهم طلال مداح، وعبادي الجوهر، وطلال سلامة، وصولًا إلى ماجد المهندس وعبد المجيد عبدالله.
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
