أميركا والصين.. انفصال اقتصادي بطيء يعيد تشكيل التجارة العالمية

في تحول يحمل أبعاداً إستراتيجية عميقة، تتجه الولايات المتحدة والصين نحو انفصال اقتصادي تدريجي، يوصف، على نطاق واسع، بأنه «فوضوي ومدروس في آن واحد»، مع انتقال العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم من منطق التكامل التجاري إلى معادلة يغلب عليها هاجس الأمن القومي.

هذا المسار، الذي كان يُناقش «نظرياً» لسنوات، بات، اليوم، واقعاً ملموساً ينعكس على سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، والتكنولوجيا، وحتى الأمن الغذائي، حيث باتت بوادر هذا الانفصال تظهر بوضوح في تفاصيل تبدو متباعدة جغرافياً لكنها مترابطة اقتصادياً، بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».

في شمال شرق الصين، يحصل مزارعو فول الصويا على دعم حكومي غير مسبوق لزيادة الإنتاج المحلي، وتقليص الاعتماد على الواردات الأميركية.

وفي المقابل، تعيد شركات صناعية أميركية، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط، هيكلة سلاسل التوريد لتقليل أو إنهاء الاعتماد على المكونات الصينية، استجابة للرسوم الجمركية والمخاطر الجيوسياسية المتزايدة.

الصين تنتقد خطة الولايات المتحدة لتشكيل تكتل تجاري للمعادن الحيوية

أمن قومي قبل التجارة

تعكس هذه التحركات إدراكاً متزايداً في واشنطن وبكين بأن المنافسة الاقتصادية لم تعد ملفاً تجارياً بحتاً، بل أصبحت جزءاً من معادلة الأمن القومي.

فرغم أن أياً من الطرفين لا يسعى إلى قطيعة شاملة، فإن السياسات الحالية تشير إلى استعداد متبادل للتعايش مع مستوى أقل من الاعتماد المتبادل، حتى وإن جاء ذلك بكلفة اقتصادية أعلى.

في الصين، يمثل هذا التوجه قطيعة مع نموذج استمر لعقود، اعتمد على التصدير للأسواق الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، والاستفادة من التكنولوجيا ورؤوس الأموال الأجنبية.

القيادة الصينية باتت ترى أن ما يُعرف بـ«تقليل المخاطر» أو فك الارتباط الجزئي مسار لا مفر منه، مع السعي إلى التحكم في وتيرته بما يحفظ الاستقرار الداخلي.

ووفق بيانات رسمية وتحليلات اقتصادية، خصصت بكين، منذ مطلع 2024، نحو تريليون دولار لتعزيز الاكتفاء الذاتي في قطاعات الزراعة، والطاقة، والصناعات المتقدمة، وعلى رأسها أشباه الموصلات.

وينسجم هذا التوجه مع رؤية الرئيس شي جينبينغ الذي يعتبر أن التفوق التكنولوجي والصناعي شرط أساس لضمان مكانة الصين في النظام العالمي الجديد.

واشنطن تعيد تعريف الشراكة

في المقابل، تبنت الولايات المتحدة خطاباً أكثر صراحة تجاه الصين، حيث أكدت «استراتيجية الأمن القومي» الأميركية لعام 2025 على ضرورة «استعادة الاستقلال الاقتصادي الأميركي»، مشدّدة على أن التجارة مع بكين يجب أن تتركز في المجالات غير الحساسة.

وتركز الإدارة الأميركية، بشكل خاص، على تقليص الاعتماد على الصين في السلع الإستراتيجية، مثل المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.

وتزايدت أهمية هذا الملف بعد أن فرضت الصين قيوداً على تصدير بعض المعادن الحيوية، ما دفع واشنطن إلى تسريع التعاون مع حلفاء، مثل: اليابان، والاتحاد الأوروبي، والمكسيك، لتطوير سلاسل إمداد بديلة، بما في ذلك إنشاء مناطق تجارية تفضيلية بين الدول الصديقة.

أرقام تعكس التحول

تُظهر البيانات التجارية أن هذا التحول بدأ يترك أثراً واضحاً، حيث تراجعت حصة الصين من واردات الولايات المتحدة إلى نحو 7.5% بنهاية 2025، وهو مستوى يعكس تراجعاً حاداً مقارنة بذروة العقد الماضي.

كما انخفض حجم التجارة الثنائية إلى مستويات قريبة من العام 2010، بالتوازي مع تراجع الاستثمارات والسياحة المتبادلة.

غير أن الصين عوضت جانباً من هذا التراجع عبر توجيه صادراتها إلى أسواق أخرى، لا سيما في آسيا وأفريقيا، إضافة إلى استخدام دول وسيطة في جنوب شرق آسيا لإجراء عمليات التجميع النهائي، وتجاوز الرسوم الجمركية الأميركية.

وأسهم ذلك في ارتفاع الفائض التجاري الصيني إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي.

إعادة تموضع صناعي

في الولايات المتحدة، لا يزال نقل الإنتاج إلى الداخل محدوداً نسبياً، رغم الزخم السياسي المصاحب له.

فبينما استفادت بعض الصناعات من الأتمتة والذكاء الاصطناعي لتقليص فجوة التكلفة مع الصين، تظل الصناعات المعقدة، خاصة تلك التي تعتمد على الإلكترونيات المتقدمة، صعبة الإعادة إلى الداخل على نطاق واسع.

كما وسعت واشنطن إلى الحد من عمليات إعادة التصدير عبر دول ثالثة، من خلال اتفاقات مع دول، مثل فيتنام وتايلاند، تشترط خفض المحتوى الصيني مقابل إعفاءات جمركية، إلا أن محللين يرون أن الاعتماد الهيكلي على الصين لا يختفي بالكامل، بل يتغير شكله فقط.

الغذاء والطاقة في قلب الصراع

وفي الصين، يمتد السعي إلى الاكتفاء الذاتي إلى ملفات شديدة الحساسية، أبرزها الطاقة والغذاء.

وتضخ بكين استثمارات ضخمة في الطاقة النووية والمتجددة لتقليص الاعتماد على واردات النفط والغاز، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية العالمية.

ويبقى الأمن الغذائي من أكثر الملفات حساسية، إذ تعتمد الصين على الاستيراد لتغطية أكثر من 80% من احتياجات صناعة تربية الخنازير من فول الصويا.

ورغم تنويع مصادر الاستيراد، خاصة من أميركا الجنوبية، فإن الحكومة الصينية تقدم دعماً سخياً لتوسيع الإنتاج المحلي وتطوير سلالات بذور عالية الإنتاجية، لتقليص الفجوة مع المزارع الأميركية.

الاقتصادات الكبرى تسارع لتأمين المعادن النادرة بعيداً عن الصين

مشهد عالمي جديد

في المحصلة، لا يتجه الاقتصادان الأميركي والصيني نحو قطيعة كاملة، بل إلى انفصال تدريجي يحمل سمات إعادة التموضع الإستراتيجي.

ويرفع هذا المسار كلفة الإنتاج، ويعيد رسم خريطة التجارة العالمية، ويضع الاقتصاد الدولي أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين.

والسؤال المطروح، اليوم، لم يعد ما إذا كان هذا الانفصال سيستمر، بل إلى أي مدى ستنجح القوتان في إدارته دون إحداث صدمات واسعة للاقتصاد العالمي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 28 دقيقة
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 17 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات