وأنا أقرأ حنّة أرندت لم يَحدث أن استشعرتُ بأنّني أمام فيلسوفة تَكتب من برجٍ عالٍ، أو تُلقي بأفكارها من على مسافةٍ آمنة. فغالب الإحساس عندي أنّي أقرأ امرأةً تُصغي بقلق إلى ما يجري في العالَم، وتُدوِّن هذا القلق بلغةٍ هادئة، غير أنّها نافذة، تُربِك القارئ أكثر ممّا تُطمئنه. وربّما لهذا السبب بالذّات، لا تزال كتاباتها حيّة بعد خمسين سنة على رحيلها، كأنّها كُتبت لهذا الزمن الذي نعيش فيه، لا للقَرن الذي شهد ميلادها الفكريّ.
ولعلّ ما يشدّني إلى هذه الفيلسوفة والمُنَظِّرَة السياسيّة أنّها لا تبحث عن الشرّ في المناطق القصوى وحدها، ولا تحصره في الكوارث الكبرى كما دأب على ذلك لفيفٌ من الفلاسفة السابقين، وإنّما تقترب منه حيث يبدو بسيطًا، عاديًّا، بل وتافِهًا وعملًا روتينيًّا يُدرَج في تفاصيل الحياة اليوميّة ويُنفَّذ بوصفه امتثالًا للصمت نظير ما يمور به الواقع.
حين تابعتْ حنّة أرندت محاكمة الضابط الشهير في القوّات النّازيّة الألمانيّة الخاصّة أدولف أيخمان، لم تكُن في حاجةٍ إلى كثيرٍ من الجهد حتّى تلاحِظ أنّ الرجل الذي يقف متَّهمًا أمام المحكمة، لا يشبه الصورة النمطيّة للمُجرِم؛ إذ لم يكُن فصيح الكراهية، أو مفتونًا بالقتل، وَجَدَته موظَّفًا عاديًّا شمله البرود وغَلَّفتِ البساطةُ لُغتَه، فيتحدّث بعباراتٍ جاهزة، ويُحيل كلَّ أفعاله إلى أوامر صادرة من فوق. وحتّى عندما اطَّلعتْ على الملاحظات التي دبَّجها الطبيب النفسي الإسرائيلي الذي فَحص أدولف أيخمان وعايَنه قبل المحاكمة وفي أثنائها أَلْفَتْهُ يَعتبره «شخصًا طبيعيًّا للغاية وقد يكون طبيعيًّا أكثر منّي - الطبيب النفسي - بعدما عاينْتُهُ على كلّ حال» (حنّة أرندت، أيخمان في القدس: تفاهة الشرّ، ترجمة: أحمد زعزع، بيروت، دار الساقي، ط1، 2018، ص16).
ولم يكُن ما أَثار فَزَعَ حنّة أرندت هو ما قاله أيخمان نفسه بقدر ما أَفزَعَها ما لم يقلْه؛ فكلماته كانت تشي بخواءٍ من المعنى، وهذا الصمت الكثيف الذي حلَّ محلّ التفكير، حتّى بدا العقلُ وكأنّه قد أُفرغ من عادته القديمة في السؤال والمُساءَلة. فما واجهته أرندت في شخص أيخمان لم يكُن عقلًا شرّيرًا بالمعنى المُتداوَل، وإنّما عقلًا متوقّفًا عن الاشتغال، عقلًا يُكرِّر العبارات كما تُكرَّر الصيغ الجاهزة، من دون أن تمرّ عَبْرَ تجربةٍ داخليّة أو مُحاكَمةٍ ذاتيّة. فكان الرجل يتحدّث كثيرًا، لكنّ كلامه كان يدلّ على غياب الفكر أكثر من حضوره؛ كلمات تتراكم من دون أن تضيء معنى، وجُملٌ تتحرّك بلا روح. هذا الفراغ الداخلي هو ما جَعَلَ الشرَّ مُمكناً، بل سهلًا، إذ لم يكُن هناك صوتٌ باطنيّ يَعترض، ولا لحظة تردُّد توقِف الفعل عند حدوده. فحين يَغيب التفكير، يَغيب معه الشعورُ بالمسؤوليّة، ويتحوّل الإنسان إلى أداةٍ تؤدّي ما يُطلب منها من دون أن تَسأل عمّا تصنعه بيدِها. من هنا تشكّلت لدى حنّة أرندت فكرة «تفاهة الشرّ» أو ابتذاله، وهي فكرة أُسيء فهمها كثيراً من طَرَفِ خصومها ومناصريها في الآن عينه؛ فالتفاهة هنا لا تَعني صِغَر الجريمة أو عدم استحقاقها للمُحاكَمة، وإنّما عَنَتْ أرندت بها خواءَ الفعل البشري من أيِّ مُساءلةٍ ذاتيّة؛ إذ صارَ الشرُّ مُمكنًا حينما توقَّف الإنسانُ عن محاورة نفسه، واكتفى بأداء الدور الموكول إليه، من دون أن يَسأل عن نتائجه أو تبعاته.
إنّ المُتأمّل في ما يَنضح به العالَمُ اليوم، يصعب عليه الاستغناء عن هذا التحليل. فنحن نعيش وسط تدفُّقٍ متواصل للأخبار، ونرى الحروب تُبَثّ مُباشرة، والضحايا يُختزلون في أرقام، والمآسي تُستهلَك كما تُستهلك باقي الموادّ الإعلاميّة. شيئًا فشيئًا فَقَدَ العنفُ حِدَّتَه، وغَدَا مألوفًا، حتّى كأنّه جزءٌ من المشهد الطبيعي للعالَم. ولعلّ هذا الاعتياد هو ما توجَّست منه أرندت. فحين يُصبح العنف خبرًا عاديًّا، ويتحوّل الظلمُ إلى تفصيلٍ عابرٍ، تتآكل قدرتُنا على الحُكم الأخلاقي، ويُصبح التفكير عبئاً غير مرغوب فيه أو وزرًا يلزم تلافيه. وفي مثل هذا المَناخ، لا يحتاج الشرّ إلى تبريرٍ أو شرْعنةٍ، بقدر ما يكفيه أن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
