فيما كان يُفترض أن يمثل البرلمان الجديد قطيعة مع إرث التعطيل الذي طبع أداء الدورة السابقة، عاد مشهد الانسداد ليفرض نفسه سريعاً، مع تجاوز واضحٍ للمهل الدستورية، وفي مقدمتها المسار الخاص بانتخاب رئيس الجمهورية، ما أعاد فتح ملف أزمة انتظام عمل السلطة التشريعية من جديد.
وخلال الدورة البرلمانية الماضية، شكل التلكؤ في عقد الجلسات سمةً بارزة لأداء مجلس النواب العراقي، إذ تسببت الخلافات والانقسامات السياسية الحادة في تعطيل جلسات مصيرية، وتأجيل استحقاقات تشريعية مهمة، وصولا إلى شلل طويل أصاب المؤسسة التشريعية، وأدخل البلاد في دوّامة من الأزمات السياسية المتلاحقة.
اليوم، ومع بدء عمل البرلمان الجديد، كان من المنتظر أن تُستخلص الدروس من تلك التجربة، غير أن الواقع يشير إلى عودة السلوك نفسه، إذ لم يتمكن المجلس حتى الآن من انتخاب رئيس الجمهورية، رغم أن الدستور حدّد مساراً زمنياً واضحاً لهذه الخطوة، بوصفها إحدى الركائز الأساسية لاستكمال تشكيل السلطات الدستورية.
وبحسب متابعين للشأن البرلماني، فإن تجاوز المدد الدستورية في انتخاب رئيس الجمهورية لم يعد مجرّد تأخير إجرائي، بل تحوّل إلى مؤشر على خلل بنيوي في إدارة العملية السياسية، حيث تُستخدم آلية تعطيل النصاب كأداة تفاوض وضغط بين الكتل، على حساب النص الدستوري واستحقاقات الدولة.
فراغ دستوري
ويحذّر مراقبون من أن استمرار هذا التعطيل يفتح الباب أمام فراغ دستوري فعلي أو مُقنّع، لا يقتصر تأثيره على منصب رئاسة الجمهورية فحسب، بل يمتد ليطال شرعية المسارات اللاحقة المرتبطة بتشكيل الحكومات، وتشريع القوانين، وممارسة الدور الرقابي، ما ينعكس مباشرة على استقرار مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، أكد المحلل السياسي ميثم الياسري لـ عراق أوبزيرفر أن استمرار مجلس النواب العراقي في تعطيل جلساته يضع النظام الدستوري أمام تحد خطير، مشيراً إلى أن القضاء العراقي، ولا سيما القضاء الدستوري، يمتلك جملة من الخيارات القانونية لضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة وانتظامها .
وأضاف أن تعطيل عمل السلطة التشريعية يُعد خرقاً دستورياً وانتهاكاً لحق الشعب، الأمر الذي يمنح مبرراً لاتخاذ إجراءات استثنائية، من بينها الضغط القضائي لإلزام النواب بالحضور، وإصدار قرارات قضائية ملزمة للحيلولة دون دخول البلاد في فراغ دستوري .
وتشير تقديرات سياسية إلى أن خطورة المشهد الحالي لا تكمن فقط في تجاوز المهل الدستورية، بل في تكريس هذا السلوك كأمر واقع يتكرر مع كل دورة برلمانية، ما يُضعف هيبة النص الدستوري، ويحوّل الاستحقاقات إلى رهينة تفاهمات سياسية متبدلة.
ومع غياب مؤشرات جدّية على قرب حسم ملف رئاسة الجمهورية، تتصاعد المخاوف من أن يتحوّل التعطيل إلى حالة مزمنة، تعيد إنتاج أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسة التشريعية، وتضع النظام السياسي أمام اختبار حقيقي لقدرة أدواته الدستورية والقانونية على حماية انتظام الدولة ومنع انزلاقها نحو فراغٍ مفتوح.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
