لم تكن الموسيقى تفصيلًا في أفلام يوسف شاهين، بل لغة ثانية للتعبير في كل فيلم صنعه.. اقرأوا الحكاية كاملة على موقعنا.

تمر هذه الأيام الذكرى المئوية على مولد المخرج العالمي يوسف شاهين (1926). جعلنا ذلك نتذكّر أعمالًا سينمائية خرجت في أزمنة متفرّقة ومسارات فكرية متعددة قد تظن أنها لعدد من الأشخاص ليس رجلًا بمفرده. وبالرغم من أن تلك الذكرى المئوية لم تشغل سوى صنّاع "السينما" فإننا قد نظن أن جوهر مشوار شاهين السينمائي قائم على الموسيقى أكثر من أي شيئًا آخر. كيف حدث ذلك؟

في هوليوود كما في ستديو مصر: الموسيقى العنصر الأهم سافر صغيرًا لتعلّم الإخراج من قلب هوليوود في أمريكا، آنذاك كانت الموسيقى جزءًا أصيلًا أيضًا، عاد إلى مصر مشبعًا بشكل مباشر أو غير مباشر، بالوجود الموسيقي ذلك، وهو ما يظهر دون شك في كل حركة يخطوها. حتى إذا كان الجميع يعرف أن تطور شريط السينما عمومًا تطورًا يتحسس خطى الأغنية نفسها بشكل درامي مثالي عن النماذج العربية التي لم يصنعها شاهين.

اعتبر شاهين الموسيقى مسار إبداعي موازٍ للصورة، له منطقه وصراعاته ووعيه الخاص. في سينما شاهين الأغنية جزء من بناء الفيلم، وعدد يصعب حصره كليًا من الأمثلة يثبت هوس شاهين بالموسيقى، ربما ليس أقلّها أنه قام بالتأليف الموسيقي ذات مرة، بنفسه في "سكوت هنصوّر".

ففي فيلم "سكوت هنصور" وجد يوسف شاهين نفسه أمام مأزق إنتاجي مباشر: الملحن المكلّف بتلحين إحدى الأغنيات تأخر عن تسليم اللحن في موعده. لم ينتظر شاهين طويلًا، وقرر أن يتدخل بنفسه، واضعًا لحن أغنية "قبل ما" التي كتبتها كوثر مصطفى. هكذا دون حسابات كبيرة كان يعتقد أن لديه الملكة أساسًا، وهو ما جعله دائم الجرأة على الموسيقيين الذين يتعامل معهم بإجبارهم أحيانًا على توزيع بعينه أو شكل لحين دون غيره.

x من أم كلثوم إلى "الأساتوك" في فيلم "القاهرة منوّرة بأهلها" يفاجأ المشاهد بوجود أغنية لأم كلثوم إلى جانب موسيقى الاستاتوك، في مزج غير تقليدي بين الطرب الكلاسيكي والتجريب الموسيقي. اللافت أن علاقة شاهين بأم كلثوم لم تتوقف عند هذا الحد، إذ كان لديه سيناريو كامل عن حياتها، مشروع ظل حاضرًا في مخيلته كما يحكي عنه في السلسلة الوثائقية الناردة "شاهين ليه".. يعكس رغبته في تفكيك الأسطورة موسيقيًا وسينمائيًا في آن.

لاحقًا سيحكي شاهين في سيرته التي صوّرتها منى غندور بمساعدة محمد دياب أن فيلم "أم كلثوم" كان جوهره لم تكتمل بعد، سيحكي كثيرًا عن طريقة أم كلثوم في الغناء، وإعادتها بعض المقاطع كأنها تقدّم سينما موازية كل مرة بمعنى ومسار يحتاج تحليل مختلف.

من الميوزيكال الكوميدي إلى "المأساة الموسيقية" في وقت كانت فيه السينما العالمية وحتى العربية تتعامل مع الميوزيكال كجنرا كوميدي أو ترفيهي في المقام الأول، اتخذ يوسف شاهين، بالشراكة مع صلاح جاهين، قرارًا واعيًا بالذهاب في اتجاه معاكس: الميوزيكال التراجيدي. هذا الوعي تجسّد بوضوح لدرجة أنهم كتبوا على تترات فيلم "عودة الابن الضال" توصيفًا غير مألوف: "المأساة الموسيقية الغنائية". كان هناك إدراك عميق لطبيعة المزاج الشرقي، ولقدرة الغناء على حمل الألم، لا فقط البهجة.

جاءت ماجدة الرومي التي اعتبرها "صوت القرن" لتصبح جزءًا من الحدث داخل فيلم "عودة الابن الضال" وتغنّي مقاطع يستحيل فهم الفيلم دونها، هذه إحدى المرات القلائل في السينما العربية التي يصنّف فيها فيلم موسيقي بشكل دقيق، فالأغنية ليست موازية للعمل، بل جزء أصيل منه.

"حدوتة مصرية".. الإيقاع كمنطقة صراع في فيلم "حدوتة مصرية"، بلغت علاقة شاهين بالموسيقى ربما ذروتها الصدامية. الأغنية الرئيسية وصلت إلى شكلها النهائي بعد سلسلة من الخناقات الفنية، أبرزها خلافه مع الموسيقار كمال الطويل، الذي كان شاهين يطلب منه في كل مرة حذف بعض الإيقاعات، بحثًا عن بساطة أكثر أو توتر درامي أنقى.

عكست هذه المعارك إصرار شاهين على أن تكون الموسيقى خاضعة تمامًا للدراما، لا العكس. غنّى محمد منير حدوتة مصرية دون تدخل موسيقي تقريبًا. يصدّق ذلك معاركه المستمرة مع الموسيقار كمال الطويل الذي قال -بحسب حديث مع خالد يوسف- أن يوسف شاهين يفهم في الموسيقى أفضل من السينما.

x الموسيقى كتوثيق للزمن والانتصار بعض مشروعات شاهين الموسيقية ارتبطت مباشرة باللحظة التاريخية. أعمال مثل "راجعين" التي أهداها للإذاعة وقت منع فيلم "العصفور" الذي كانت فيه، ثم أصبحت في سياق نصر أكتوبر أول الأغاني عن الحرب، أذيعت مباشرة بحسب الصحفي محمد دياب، قد جاءت في جريدة الكواكب يوم 10 أكتوبر. حيث تحولت الموسيقى إلى أداة توثيق وجداني جماعي. كذلك فيلم "اليوم السادس" الذي قدّم فيه محسن محي الدين روح النجم العالمي جين كيلي بشكل استعراضي يبدو ذروة أداء محسن في تاريخه.

كذلك جمعه الفيلم بالنجمة داليدا المغنية العالمية التي جاءت بعد فاتن حمامة وسعاد حسني ونبيلة عبيد، لم تغن سوى "طلعت ياما أحلى نورها"، قادمة من أقصى الغرب. لم يجد توظيفًا لها في أغنيات الفيلم، رفض أن تقدّم شيء، سيبدو ذلك شبيهًا مما فعله في "سيدة القطار" في تعاونه مع ليلى مراد التي جلست فوق "حمار" لتغنّي لأن ذلك في جوهر الدراما ذاتها.

فريد الأطرش: من المأساة إلى المهرج رغم أن فريد الأطرش يُعد من أكثر الفنانين مأسآوية في تاريخ السينما الغنائية العربية، فإن يوسف شاهين قدّمه في أحد أفلامه بصورة مغايرة تمامًا: مهرج، خفيف الظل، بأغنيات لطيفة وبسيطة في "أنت حبيبي" مثلًا. هذا الاختيار يعكس رغبة شاهين الدائمة في كسر الصور النمطية، وإعادة تأطير النجوم موسيقيًا بما يخدم رؤيته السينمائية لا تاريخهم الشخصي فقط.

x هؤلاء.. وأكثر إلى جانب كل هؤلاء ستجده قادمًا بجارة القمر فيروز في فيلم "بياع الخواتم" بالاشتراك مع الرحابنة وفيلمون وهبي، ليصنع معه أسطورة سينمائية. وقتها كان سيصنع "سفر برلك" لكن الميزانية تعطّلت، بعدها شاهد شاهين الأوبريت المسرحي الغنائي المغنّى بالفعل ليقدّمه في "بياع الخواتم". كما ستجد "هدى سلطان" كذلك إلى جانبه، من "نساء بلا رجال" وصولًا إلى "الاختيار" أحد أفضل أفلامه على الإطلاق، وغيره بالطبع. سيجعل "هاني سلامة" يغني في "الآخر" بدلًا من عبد الحليم حافظ، وسيأتي بمعجزة جيله من الموسيقيين ياسر عبد الرحمن ليضع بصمته في فيلم "هي فوضى".

x

حتى إذا كانت كل تلك الملاحظات لا تثبت تمامًا جوهرية المشروع الموسيقى لدى شاهين، فإنها دون تكشف عن نظرة متأنية إلى الموسيقى على اعتبارها أفضل عناصر العمل إلهامًا وجوهرية.


هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بيلبورد عربية

منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
العلم منذ ساعتين
موقع سائح منذ 10 ساعات
موقع سفاري منذ 12 ساعة
موقع سائح منذ 9 ساعات
موقع سفاري منذ ساعتين
العلم منذ 11 ساعة
موقع سفاري منذ ساعة
العلم منذ 8 ساعات