السلطانة منيرة المهدية.. كيف غيرت امرأة واحدة خريطة الغناء فى مصر؟

قبل أن تُقاس النجومية بعدد الأسطوانات أو مرات البث، كان الغناء فى مصر فعلًا اجتماعيًا. قبل أن تصبح الأغنية صناعة، وقبل أن يتحول الصوت إلى علامة تجارية، كان الغناء مجالًا شديد الحساسية، محكومًا بالأعراف بقدر ما تحكمه الموهبة. فى تلك المنطقة الرمادية بين الطرب والعيب، وبين المجلس الخاص والمنصة العامة، ظهرت منيرة المهدية، لا بوصفها مطربة فقط، بل بوصفها علامة فارقة فى تاريخ الصوت والمرأة والمسرح.

لم تدخل منيرة المهدية الغناء من بوابة التقاليد الموروثة، بل اقتحمت فضاءه العام، وفرضت حضورها فى لحظة كان المجتمع المصرى يعيد تعريف ذاته فنيًا وسياسيًا. كانت أول مطربة تقف على خشبة المسرح، وأول امرأة تُخاطب جمهورًا مختلطًا بلا وسيط، وأول صوت أنثوى يتحول من «مسموح به على استحياء» إلى مركز للمشهد الغنائى. لم يكن هذا التحول فنيًا فقط، بل اجتماعيًا بامتياز.

قبل أن تصبح الأغنية صناعة، وقبل أن يتحول الصوت إلى علامة تجارية، كان الغناء مجالًا شديد الحساسية، محكومًا بالأعراف بقدر ما تحكمه الموهبة. فى تلك المنطقة الرمادية بين الطرب والعيب، وبين المجلس الخاص والمنصة العامة، ظهرت منيرة المهدية، لا بوصفها مطربة فقط، بل بوصفها علامة فارقة فى تاريخ الصوت والمرأة والمسرح.

من هنا تأتى أهمية كتاب «السلطانة منيرة المهدية.. والغناء فى مصر قبلها وفى زمانها» الصادر عن دار الشروق للدكتورة رتيبة الحفنى، الذى لا يقرأ منيرة باعتبارها سيرة شخصية، بل باعتبارها لحظة مفصلية فى تاريخ الغناء المصرى. فالكتاب يضع صوت منيرة داخل سياقه الأوسع: ما الذى كان عليه الغناء قبل ظهورها؟ كيف كانت تُدار العلاقة بين المطرب والجمهور؟ وما الذى تغير حين أصبحت المرأة، للمرة الأولى، فى مقدمة المشهد لا على هامشه؟

لا تنحاز الحفنى للأسطورة، ولا تقع فى فخ التقديس، بل تفكك الظاهرة بهدوء الباحث وخبرة المؤرخ. تتتبع تطور القوالب الغنائية، وتغير الذائقة العامة، وصعود المسرح الغنائى، وتداخل الفن مع السياسة فى زمن كان يبحث عن هوية حديثة. ووسط هذا كله، تقف منيرة المهدية كجسر بين عالمين: عالم الغناء التقليدى، وعالم الحداثة الفنية التى مهدت لاحقًا لأسماء مثل أم كلثوم.

إن قراءة هذا الكتاب اليوم ليست عودة إلى الماضى بقدر ما هى إعادة نظر فى لحظة تأسيسية، نفهم من خلالها كيف تشكلت الأغنية المصرية، وكيف انتقلت من الصوت الفردى إلى الظاهرة العامة، ومن الأداء إلى الخطاب. فمنيرة المهدية، كما تقدمها رتيبة الحفنى، ليست مجرد «سلطانة طرب»، بل شاهدة على زمن كان فيه الغناء مرآة لتحولات المجتمع بأكمله.

لا تقدم الحفنى منيرة المهدية بوصفها صاحبة «أجمل صوت»، بل بوصفها صاحبة أكثر الأصوات وعيًا بذاته. كان صوتها معبرًا، قادرًا على التواصل، ومسندًا بحس إيقاعى واضح. لكن الأهم هو وعيها بالاختيار: النص، والملحن، ونوع الأغنية، وحتى توقيت الظهور.

غنت القصيدة والموشح والطقطوقة، وتحركت بمرونة بين القوالب، بما يسمح لها بمخاطبة جمهور واسع ومتباين. هذا الذكاء الفنى هو ما جعلها تتصدر المشهد فى زمن لم تكن فيه النجومية قد تبلورت كمفهوم.

- من الهامش إلى الصدارة

لا تتعامل الدكتورة رتيبة الحفنى مع نشأة منيرة المهدية بوصفها مجرد خلفية زمنية لسيرة مطربة شهيرة، بل تجعل منها مفتاحًا لفهم تحول اجتماعى وثقافى عميق شهدته مصر فى مطلع القرن العشرين، حين انتقل الغناء من فضاء الحريم والمجالس الخاصة إلى خشبة المسرح والجمهور العام.

وُلدت منيرة المهدية فى قرية المهدية بمحافظة الشرقية فى أواخر القرن التاسع عشر، فى بيئة ريفية متواضعة، بعيدة تمامًا عن المراكز الفنية والثقافية الكبرى. وتشير الحفنى إلى أن هذا الأصل الشعبى لم يكن عائقًا، بل أحد ملامح فرادتها، إذ حمل صوتها منذ البداية نبرة تلقائية غير مصقولة، لكنها شديدة الصدق والتأثير.

لم تتلقَّ منيرة تعليمًا موسيقيًا أكاديميًا، بل تشكلت موهبتها فى إطار السماع والتقليد، شأن معظم مطربات ذلك العصر. وتلفت الحفنى إلى أن هذا النمط من التكوين كان سائدًا، لكنه عند منيرة اتخذ مسارًا مختلفًا بسبب قوة الشخصية والجرأة المبكرة.

- القاهرة.. لحظة الانفصال عن الظل

التحول الحاسم فى مسيرتها جاء مع انتقالها إلى القاهرة؛ حيث بدأت الغناء فى الأفراح والمجالس الخاصة، ثم فى بعض المقاهى الفنية. هنا تبرز، وفق الحفنى، لحظة مفصلية: منيرة لم تكتفِ بدور «المطربة المؤدية»، بل سرعان ما أدركت طبيعة السوق الفنية الجديدة، وعرفت كيف تصنع لنفسها حضورًا مستقلًا فى فضاء يهيمن عليه الرجال.

فى هذه المرحلة، واجهت منيرة مقاومة اجتماعية واضحة، إذ كان صعود امرأة إلى العلن بصفتها مطربة محترفة أمرًا لا يزال مثيرًا للريبة. غير أن الكتاب يؤكد أن منيرة امتلكت وعيًا مبكرًا بقيمة الاستقلال الفنى، فرفضت الارتهان الكامل للمتعهدين أو الملحنين، وسعت إلى بناء اسمها بذاتها.

- المسرح الغنائى.. من الطرب إلى الدراما

من أهم ما تؤكده الحفنى أن بدايات منيرة المهدية ارتبطت بكسر قاعدة تاريخية: كانت أول امرأة مصرية تصعد خشبة المسرح الغنائى بوصفها بطلة مطلقة، فى وقت كان الغناء النسائى محصورًا فى الظل أو فى أدوار ثانوية.

دخلت منيرة عالم المسرح الغنائى من باب الجرأة، لا من باب التدرج الحذر. ومع مطلع العقد الثانى من القرن العشرين، أصبحت اسمًا معروفًا فى المسارح، وقدمت أدوارًا رئيسية فى الأوبريتات، وأحيانًا أدوارًا رجالية، وهو ما اعتبرته الحفنى تعبيرًا عن شخصية فنية متمردة على القوالب الجاهزة.

أحد أبرز محاور الكتاب هو ربط منيرة المهدية ببدايات المسرح الغنائى المصرى. فمعها، لم تعد الأغنية معزولة عن السياق، بل أصبحت جزءًا من بناء درامى. هنا لم تعد المطربة ثابتة فى مكانها، بل تتحرك، تمثل، وتشارك فى سرد الحكاية عبر صوتها.

توضح الحفنى أن هذه الخطوة كانت تأسيسية للمسرح الغنائى المصرى، ومهدت لاحقًا لتجارب أكثر اكتمالًا. وتخلص الدكتورة رتيبة الحفنى إلى أن نشأة منيرة المهدية وبداياتها لم تكن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 7 ساعات
صحيفة الوطن المصرية منذ 15 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 16 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 12 ساعة
مصراوي منذ 16 ساعة
مصراوي منذ 14 ساعة