تظل السرديات المغلوطة التي تحاول أن تتبناها نخب الشمال على أنها مسلمات واقعية ومحاولات إقناعية تسعى إلى تحميل الجنوب نتائجها ظلمًا وزرًا معتبرة تفسير ما وصلت إليه معاناة شعب الجنوب- كما قال الكاتب همدان العليي في مقاله المعنون عقدة تمثيل الجنوب والمأزق الشمالي- تعود إلى عقدة تمثيل تاريخية رافقت دولة الجنوب الوليدة منذ الاستقلال وظلت مستمرة إلى حكم الحزب الاشتراكي اليمني إلى دخول الوحدة ووصولًا إلى ظهور مكونات الحراك الرافضة للوحدة حتى ظهور المجلس الانتقالي المطالب باستعادة دولة الجنوب ويعدها متلازمة لا يمكن أن يتحرر منها الجنوب ويقرر أن تلك العقدة التمثيلية صارت حتمية تاريخية.
وعند التحليل الاستقصائي لهذه الفرضية المزعومة تجدها سردية بائسة غير قابلة على الصمود أمام إرادة شعب قرر عبر نضال وكفاح وتضحية أن يجعل من تلك النضالات والتضحيات مصيرًا حتميًا في تحقيق تطلعات شعب بنيت مقومات مطالبه على إدارة شعبية من جهة ونضال وكفاح وتضحية من جهة أخرى لتصبح هي المشروعية الواقعية في استعادة الدولة الناجزة قديمًا ويسعى إليها حديثًا تصبح معها الجغرافيا سيادة مبنية على أسس توحيد الهوية الوطنية الواحدة مع ثراء التنوع وحضارية الاختلاف.
ومن هنا تبرز في ساحة الأفكار والسياسة، ثمة خطابات تلبس ثوب التحليل الموضوعي؛ لتقدم في جوهرها مقولات استخباراتية مضللة، وقراءات انتقائية للتاريخ؛ تهدف إلى تجريد الجنوب من إرثه النضالي والحضاري الموحد، وتصويره ككيان متناحر مع ذاته، عاجز عن إنتاج تمثيل شرعي قادر على الحكم وحماية مشروعه السياسي التحرري الحضاري الفيدرالي.
وعند العودة إلى المقال الذي نحن بصدد تفكيكه وإبراز المغالطات التي يرى كاتبه أنها تجسد أنموذجًا لهذه السردية، التي تتعامل مع التعددية السياسية والاجتماعية وهي ظاهرة صحية في أي مجتمع حي ويعزوها على أنها عقدة تمثيل مزمنة لا يستطيع الجنوب أن يخرج منها، ويحمّل نخب الجنوب وإرادة شعبه مسؤولية فشل سياسات مركزية شمالية في التعامل مع قضيتهم العادلة.
إنها قراءة لا تهدف إلى الفهم بقدر ما تهدف إلى التأسيس لرواية تبسيطية تُبرئ الأنظمة المتعاقبة في صنعاء من إخفاقاتها التاريخية في التعاطي الندي مع الجنوب كشريك لا كتابع بعد الوحدة، وهو بهذه السردية التي تُلقي باللوم على التركيبة الفسيفسائية للمجتمع الجنوبي بمراحل تاريخه السياسي الطويل.
وعند الوقوف عن تسلسل أحداث تلك السردية التي تلغي دور الاستقلال الذي جسد شرعية الثورة التي كانت لا تؤمن أن تكون تفويضًا للمحتل البريطاني.
ومن هنا يبدأ المقال مغالطته التاريخية من لحظة التأسيس، متبنيًا رواية تقول: إن بريطانيا سلمت السلطة للجبهة القومية دون تفويض شعبي شامل. وهنا يكمن قلب الإشكال: فشرعية التمثيل في لحظة التحرر الوطني لا تستمد من تفويض المستعمر، بل من الدماء التي أريقت في ساحات المقاومة، ومن الإجماع الشعبي الواسع الذي حظيت به الجبهة القومية كقائد للكفاح المسلح، كانت معها الجبهة القومية، بكل تياراتها، التجسيد السياسي والعسكري لإرادة شعب الجنوب في التحرر، وليس مجرد طرف تفاوضي مع المحتل. وكاتب المقال حاول أن يختزل هذه المرحلة المصيرية في أزمة تمثيل وهو بهذا يريد التشويه بمعنى الاستقلال ذاته، الذي كان انتصارًا لإرادة جماعية، عبّرت عنها قيادة موحدة في اللحظة الحاسمة.
أما حديثه عن إقصاء القوى التقليدية والسلطنات، فهو يريد يثور حوافظ المجتمع الجنوبي على أنها إرثها وخلفباتها التاريخية ويغفل حقيقة أن تلك الكيانات كانت في معظمها، جزءًا من البنية التي تعاطت مع الاستعمار ومجتمع الجنوب بإيجابية وسلبية، وأن بناء دولة وطنية حديثة تقدمية بعد الاستقلال اقتضى كما في كل تجارب التحرر إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أسس وطنية، لا استرضاءً لنخب مرتبطة بمرحلة ما قبل الدولة.
أما الحديث الذي حاول به الكاتب أن يصور به الصراعات الداخلية لبنى المجتمع الجنوبي راجعة إلى إرث عقدة التمثيل ويتجاوز أن الصراعات كانت على مشاريع وليست أزمة تمثيل كما يدعي.
ويحاول المقال تصوير الصراعات داخل الحزب الاشتراكي اليمني (1978-1986) على أنها دليل على عجز مزمن تعود إلى العقدة ذاتها أصبحت معها قيادة الحزب غير قادرة عن إنتاج تمثيل شرعي، متجاهلًا أن تلك الصراعات كانت، في جوهرها، صراعًا على رؤى ومشاريع سياسية واقتصادية مختلفة لإدارة الدولة الوليدة وعلاقاتها الإقليمية والدولية، في ظل ظروف الحرب الباردة والتعقيدات الإقليمية.
وهنا فالكاتب يجهل أن تلك الخلافات كانت داخل إطار سياسي موحد وليس متشظيًا بين قبائل وعشائر وتيارات دينية واجتماعية وايديولوجية، وليست نزاعات بين هويات جنوبية متصارعة كما هي في الشمال.
إن تحويل الكاتب الخلاف السياسي الطبيعي وإن اتخذ أشكالًا دراماتيكية إلى عقدة تمثيلية بنيوية يعد قفزًا على السياق التاريخي واختزال معقد لصراع الأفكار في إطار ضيق من الشرعية التمثيلية.
والأخطر من ذلك، المقارنة المعيبة بين طبيعة الصراع في الشمال والجنوب، حيث يُصور الصراع في الشمال على أنه نبيل من أجل الجمهورية والمساواة، بينما يُختزل في الجنوب إلى مجرد تنافع على السلطة مقابل الولاء. وهو بهذه الثنائية المضللة يتجاهل الطبيعة المعقدة للصراع في الشمال، والتي لم تكن حربًا بين الخير والشر، بل اشتملت على تداخلات قبلية وإقليمية، كما تتجاهل حقيقة أن المشروع الوطني الجنوبي، رغم كل خلافاته الداخلية، إلا أنه حافظ على إطار دولة مؤسساتية حديثة، وإن كانت بآليات حكم حزبية مركزية.
وحين وصل به الحديث عن الوحدة وما بعدها يفسر حق الجنوب الندي الذي طالب بصحيحه وفسره باغتيال الشراكة الا أنه أدى إلى تفجير المظلومية الجنوبية متجاهلًا بخبث ندية الشراكة أو الحق في المطالبة بفض الشراكة والعودة إلى دولته التي دخل بها قبل الوحدة.
ومن يقع المقال في تناقض صارخ عند مناقشة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
