تجربة رائدة تكشف: الذكاء الاصطناعي يساعد في الكشف المبكر عن سرطان الثدي ويقلل حالات التشخيص الخاطئ

أظهرت تجربة علمية غير مسبوقة أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في فحوصات الكشف عن سرطان الثدي أسهم في رصد عدد أكبر من الحالات في مراحل مبكرة، ما انعكس على تحسين فرص العلاج، خصوصًا لدى المصابات بالأنواع الأكثر عدوانية من المرض بحسب "Live Science".

ورغم أن الاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية لا يزال حديث العهد نسبيًا، فإن توظيف هذه التقنية في المجال الطبي يعود إلى ما يقرب من عشر سنوات، وبشكل خاص في تشخيص الأمراض المعتمد على تحليل الصور. وخلال هذه الفترة، عمل الباحثون على تطوير أنظمة ذكية قادرة على التعرف على الأورام والمؤشرات المرضية من خلال صور الأشعة السينية، والتصوير بالرنين المغناطيسي، إضافة إلى عينات الأنسجة المثبتة على شرائح مخبرية.

زتم جمع هذه البيانات في الغالب من مرضى كانت تشخيصاتهم معروفة مسبقًا، ضمن ما يُعرف بالدراسات الاسترجاعية، الأمر الذي أتاح للأطباء مقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالتشخيصات المؤكدة. وأسهم ذلك في تزويد الأنظمة الذكية بمعلومات دقيقة تساعدها على التمييز بين الصور التي تحتوي على سرطان وتلك الخالية منه، وهو ما أظهر أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل أداة محورية في الطب التشخيصي.

غير أن التأكد من قدرة هذه الأنظمة على إحداث فارق حقيقي في حياة المرضى يتطلب إجراء دراسات مستقبلية، يتم فيها تتبع الحالات التي شُخّصت باستخدام الذكاء الاصطناعي على مدى سنوات، بهدف تقييم نتائجها الصحية على المدى الطويل.

وفي هذا الإطار، نفّذ باحثون في السويد دراسة رائدة لاختبار فعالية الذكاء الاصطناعي في فحوصات تصوير الثدي بالأشعة السينية. وكشفت نتائج تجربة MASAI، التي نُشرت في 31 يناير في مجلة "لانسيت"، أن قراءة صور الماموجرام بمساندة الذكاء الاصطناعي حسّنت دقة الفحص، مع تقليل العبء المهني الواقع على أخصائيي الأشعة.

وتُعد هذه الدراسة أول دليل علمي يُظهر أن الذكاء الاصطناعي لا يعزز دقة الكشف فحسب، بل يسهم أيضًا في تحسين نتائج علاج مريضات سرطان الثدي.

أهمية الكشف المبكر أدت برامج الفحص الدوري إلى خفض معدلات الإصابة بسرطان الثدي في مراحله المتقدمة، وتقليل الوفيات المرتبطة به في معظم دول العالم. ومع ذلك، لا تزال بعض الحالات تمر دون اكتشاف رغم الانتظام في إجراء فحوصات الماموجرام. وتُعرف هذه الحالات باسم "السرطانات التي تظهر بين الفحوصات"، إذ لا تُرصد خلال الفحص الأولي، ويتم تشخيصها لاحقًا خلال العامين التاليين أو بين جولتي فحص. وغالبًا ما تعود أسباب عدم اكتشافها إلى كثافة أنسجة الثدي التي تحجب الورم، أو تشابه مظهره مع الأنسجة الطبيعية، أو تطوره السريع خلال فترة قصيرة.

وتتميز هذه السرطانات بكونها غازية وسريعة الانتشار إلى الأنسجة المجاورة، وغالبًا ما تكون أكثر شراسة، ما يؤدي إلى نتائج علاجية أسوأ. ويُعد انخفاض معدلات هذه الحالات مؤشرًا أساسيًا على كفاءة برامج الفحص، إذ يعكس قدرتها على اكتشاف المرض في مراحل مبكرة. وقالت الدكتورة كريستينا لانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأخصائية أشعة الثدي والباحثة السريرية في جامعة لوند بالسويد، إن تراجع معدلات السرطان المكتشف بين الفحوصات الدورية يُعد مؤشرًا قويًا على انخفاض الوفيات الناجمة عن المرض، مؤكدة أن تحقيق هذا الهدف من شأنه تحسين نتائج المرضى بشكل ملموس.

نتائج تجربة MASAI شملت التجربة أكثر من 100 ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 40 و80 عامًا في السويد، واعتمدت على نظام ذكاء اصطناعي متاح تجاريًا، تم تدريبه باستخدام أكثر من 200 ألف فحص طبي من مؤسسات صحية حول العالم. وفي مجموعة الفحص التقليدي، قام اثنان من أخصائيي الأشعة بقراءة صور الماموجرام، وفق المعايير المتبعة في السويد. أما في المجموعة التي استخدمت الذكاء الاصطناعي، فقد تولى النظام تحليل الصور ورصد العلامات المشتبه بها، مع منح كل حالة درجة خطورة من 1 إلى 10.

وقُرئت الحالات ذات الدرجات من 1 إلى 9 بواسطة أخصائي أشعة واحد، في حين خضعت الحالات الأعلى خطورة، المصنفة بدرجة 10، لقراءة مزدوجة من اثنين من الأخصائيين. كما أتاح النظام تحديد مواقع الاشتباه داخل الصورة، ما ساعد الأطباء على مراجعتها بدقة أكبر. وأظهرت النتائج أن الفحص المدعوم بالذكاء الاصطناعي نجح في اكتشاف عدد أكبر من حالات السرطان ذات الأهمية السريرية مقارنة بالفحص التقليدي. وتشير هذه الحالات إلى الأورام القابلة للتطور والتي تستدعي تدخلًا علاجيًا.

كما أدى استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تقليل عدد حالات السرطان التي تم تشخيصها بين جولات الفحص خلال العامين التاليين، ما يعكس قدرة النظام على رصد أورام قد لا يلاحظها أخصائيو الأشعة في مراحلها الأولى، وبالتالي إتاحة بدء العلاج في وقت أبكر.

الحد من التشخيص الخاطئ رغم الفوائد الكبيرة لفحوصات الكشف المبكر، فإنها قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج إيجابية كاذبة أو تشخيص زائد. وأوضحت لانغ أن استدعاء المرضى لإجراء فحوصات إضافية دون وجود سرطان قد يكون تجربة نفسية مرهقة. أما التشخيص الزائد فيشير إلى اكتشاف أورام بطيئة النمو لا تشكل خطرًا فعليًا على حياة المريض، وقد لا تسبب أعراضًا طوال عمره، إلا أن اكتشافها قد يؤدي إلى إخضاع المرضى لعلاجات غير ضرورية.

ووفقًا للدراسة، لم يؤدِ استخدام الذكاء الاصطناعي إلى زيادة معدلات النتائج الإيجابية الكاذبة، بل ساعد على تحسين اكتشاف الحالات ذات الأهمية السريرية، وهو الهدف الأساسي من إدخال هذه التقنية إلى برامج الفحص.

دعم النظم الصحية ومواجهة نقص الكوادر إلى جانب تحسين الكشف عن السرطان، قد تسهم الفحوصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في معالجة النقص المتزايد في أعداد أخصائيي الأشعة. وقال الدكتور ريتشارد وال، أخصائي علاج الأورام بالإشعاع في جامعة واشنطن في سانت لويس، إن بعض المناطق تعاني من صعوبة توفير حتى أخصائي أشعة واحد لقراءة صور الماموجرام.

وأشار إلى أن ضغط العمل المتزايد على الأخصائيين القلائل المتاحين يؤثر سلبًا على أدائهم، في حين يتمتع الذكاء الاصطناعي بقدرة على العمل المستمر دون إرهاق أو تراجع في الدقة. وأضاف أن أزمة القوى العاملة في القطاع الطبي حقيقية، وأن نتائج هذه الدراسة قد تشجع على اعتماد الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة ثانية في قراءة الفحوصات.

وأعلنت لانغ أن فريقها سيطلق في مارس تجربة جديدة في إثيوبيا، تعتمد على استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم التقييم السريع لسرطان الثدي باستخدام الموجات فوق الصوتية بجانب السرير، ضمن برامج الفحص في البيئات محدودة الإمكانات.

وأوضحت أن غياب برامج الفحص ونقص أخصائيي الأشعة في هذه المناطق يؤدي إلى تشخيص عدد كبير من الحالات في مراحل متقدمة. ويأمل الباحثون أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين الوصول إلى فحوصات دقيقة، وتعزيز فرص التشخيص المبكر، والحد من الوفيات الناتجة عن سرطان الثدي في البيئات ذات الموارد المحدودة.

اقرا أيضًا:

الذكاء الاصطناعي يكتشف سرطان الثدي مبكرًا بنسبة 29% أكثر من الأطباء

الوقاية قد تُنقذك.. 4 من كل 10 إصابات بالسرطان كان يمكن منعها

كيف تُسرّع شيخوخة الأمعاء خطر الإصابة بسرطان القولون؟


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ 48 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
العلم منذ 13 ساعة
العلم منذ 21 ساعة
موقع سفاري منذ 21 ساعة
موقع سائح منذ ساعتين
موقع سائح منذ 35 دقيقة
موقع سائح منذ 15 ساعة
موقع سفاري منذ ساعة
موقع سائح منذ 19 ساعة