كشف عالم أعصاب أميركي أن جيل الشباب المولودين منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي أصبح أول جيل حديث يسجل تراجعًا معرفيًا مقارنة بآبائه، وفقًا لبيانات تعليمية وتقييمات معيارية جُمعت على مدى أكثر من قرن. وأوضح أن هذا التراجع شمل مجموعة واسعة من القدرات الذهنية، من بينها التركيز والذاكرة والقراءة والرياضيات وحل المشكلات، إضافة إلى معدل الذكاء العام.
وقال الدكتور جاريد كوني هورفاث، وهو باحث في علم الأعصاب ومعلم سابق، إن مراجعة نتائج الاختبارات المعيارية عبر أجيال متعاقبة أظهرت أن جيل زد ، المولود بين عامي 1997 وبدايات الألفية الجديدة، حقق أداءً أدنى من الجيل الذي سبقه، في سابقة لم تُسجّل منذ بدء توثيق التطور المعرفي في أواخر القرن التاسع عشر.
طريقة التعليم كسبب لالتراجع خلال شهادة أدلى بها أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأميركي، أوضح هورفاث أن هذا التراجع حدث رغم أن طلاب اليوم يقضون سنوات أطول في التعليم النظامي مقارنة بأطفال القرن العشرين. وأكد أن العامل الحاسم لا يرتبط بطول فترة الدراسة، بل بطبيعة الأدوات المستخدمة في عملية التعلم داخل المدارس.
وأشار إلى أن الاعتماد المتزايد على ما يُعرف بـ تقنية التعليم ، بما يشمل الحواسيب والأجهزة اللوحية والبرامج الرقمية، أسهم في إضعاف عملية التعلم العميق. ولفت إلى أن الدماغ البشري لم يتطور ليستوعب المعرفة من خلال مقاطع قصيرة وسريعة أو ملخصات مقتضبة لأفكار معقدة، بل يعتمد بطبيعته على التفاعل البشري والتركيز الممتد.
وأوضح هورفاث أن المراهقين يقضون أكثر من نصف ساعات اليقظة يوميًا أمام الشاشات، سواء لأغراض تعليمية أو ترفيهية، ما يؤثر سلبًا في آليات الانتباه وبناء الذاكرة. وأضاف أن التعلم الفعّال يتطلب تواصلًا مباشرًا مع المعلمين والزملاء، وممارسة التفكير المتعمق، وهي عناصر تضعف مع هيمنة الشاشات. وبيّن أن المشكلة لا تتعلق بسوء تطبيق التقنية أو نقص تدريب المعلمين أو الحاجة إلى منصات أفضل، بل تكمن في أن التقنية نفسها لا تنسجم مع الكيفية التي يعمل بها الدماغ البشري وينمو ويحتفظ بالمعلومات. وأكد أن البيانات تشير إلى أن القدرات المعرفية بدأت في التباطؤ ثم التراجع التدريجي منذ نحو عام 2010.
وقال إن المدارس لم تشهد تغييرات جذرية في مناهجها خلال تلك الفترة، كما أن التطور البيولوجي للإنسان أبطأ من أن يفسر هذا الانخفاض، ما يعزز فرضية أن أدوات التعلم الرقمية هي العامل المشترك. وأضاف: عند مراجعة الأرقام، يتضح أن الأداء التعليمي ينخفض فور التوسع في إدخال التقنية الرقمية إلى الصفوف الدراسية .
وأوضح هورفاث أن هذا الاتجاه لا يقتصر على الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن دراساته شملت نحو 80 دولة، وأظهرت نمطًا متكررًا من تراجع النتائج التعليمية كلما زاد الاعتماد على التقنية في التعليم، على مدى ستة عقود.
وبيّنت البيانات كذلك أن الطلاب الذين يستخدمون الحواسيب لعدة ساعات يوميًا في إنجاز واجباتهم المدرسية يحققون نتائج أضعف من أولئك الذين يقل استخدامهم للتكنولوجيا داخل الفصول أو لا يستخدمونها إطلاقًا. وفي الولايات المتحدة، أظهرت نتائج التقييم الوطني للتقدم التعليمي أن تطبيق برامج جهاز لكل طالب في بعض الولايات ترافق غالبًا مع استقرار الدرجات أو انخفاضها بشكل ملحوظ.
ثقة مفرطة في القدرات الذهنية في الوقت نفسه، أشار هورفاث إلى أن كثيرًا من الشباب لا يدركون حجم هذا التراجع، بل يُظهرون ثقة عالية بقدراتهم الذهنية. وقال إن الثقة المفرطة غير المستندة إلى أداء فعلي قد تعيق التحسن، موضحًا أن الاعتياد على استهلاك المعلومات في شكل سريع ومجزأ عبر منصات مثل تيك توك أعاد تشكيل أسلوب التفكير والتعلم لدى هذا الجيل.
وأضاف أن بعض المؤسسات التعليمية بدأت تكيّف مناهجها لتتماشى مع هذا النمط السريع، بدلًا من توجيه الطلاب نحو التعلم العميق، محذرًا من أن ذلك يمثل تراجعًا عن جوهر العملية التعليمية وليس تطورًا لها.
وخلال جلسة الاستماع، أوصى خبراء تربويون باتخاذ إجراءات للحد من استخدام الهواتف الذكية بين الأطفال، وتأجيل اقتنائها في سن مبكرة، وفرض قيود وطنية على استخدام التقنية داخل المدارس. ووصف المشاركون الظاهرة بأنها تمثل تحديًا اجتماعيًا واسع النطاق، داعين إلى الاستفادة من تجارب بعض الدول الإسكندنافية التي اتجهت إلى تقليص أو حظر تكنولوجيا التعليم في المراحل الدراسية الأولى.
وأكد هورفاث في ختام شهادته أن معالجة هذا التراجع تتطلب إعادة الاعتبار للتعلم المتعمق، وضبط استخدام الشاشات، والتركيز على بناء القدرات الذهنية طويلة الأمد، محذرًا من أن تجاهل المؤشرات الحالية قد يترك آثارًا دائمة على الأجيال القادمة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
